فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 232

و آخرها -أي الشاهد الثالث- يتضمن اعترافا صريحا من ابن رشد ينقض به قوله السابق، و يرد به على نفسه أيضا. و ذلك أنه ذكر أن التأويل حادث في الأمة، لم يعرفه الصحابة، فلما استعمله من جاء بعدهم (( قلّ تقواهم و كَثُر اختلافهم، و ارتفعت محبتهم، و تفرّقوا فرقا ) ) [1] . فهذا دليل قاطع على أن التأويل الذي قصده ابن رشد هو أمر حادث لم يعرفه الصحابة، و من ثم فلا يُوجد إجماع على ذلك التأويل الذي ادعى ابن رشد أن المسلمين أجمعوا على شرعية استعماله مبدئيا.

و ختاما لهذا المبحث أُشير هنا إلى ثلاثة أمور هامة، أولها إن التأويل الفلسفي التحريفي ليس من ابتداع ابن رشد، فهو معروف قبله عند الفلاسفة المسلمين، فقالوا بالخاصة و العامة، و بالظاهر و الباطن، و من تأولاتهم أن ابن سينا (ق: 5 ه) زعم أن الشرع خاطب الجمهور بما يفهمونه مقربا ما لا يفهمونه إلى أوهامهم بالتمثيل و التشبيه. و قال هو و أمثاله: إن الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله و اليوم الآخر خلاف ما هو عليه في نفسه، لينتفع الجمهور بذلك؛ لأنه لو أُظهرت لهم الحقيقة لما فُهم منها إلا التعطيل، فخيّلوا و مثّلوا لهم ما يناسب الحقيقة نوع مناسبة على وجه ينتفعون به [2] .

و الأمر الثاني أن حقيقة التأويل عند ابن رشد، هو تأويل تحريفي خطير جدا على الشرع و العقل معا، عندما قرر أن في الشرع ظاهر يجب تأويله لأنه كفر، و على الفلاسفة إخفاء تأويلهم له عن الجمهور لأن التصريح به يُؤدي إلى الكفر، و المُصرح به كافر [3] . و زعمه هذا خطير جدا، و باطل مخالف للشرع و العقل معا، كشف عن خطورة ما قام به ابن رشد، و مدى انحراف تأويله الباطني التحريفي للنصوص الشرعية. و قد ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية أن ابن رشد جعل (( فرض الجمهور اعتقاد الباطل، الذي هو خلاف الحق، إذا كان الحق خلاف ظاهره، و قد فُرض عليهم حمله على ظاهره ) ) [4] .

و بذلك يتبين أن تأويل ابن رشد لا يقوم على الشرع، و لا على اللغة العربية الموافقة للقرآن الكريم، و لا على مذهب الصحابة و السلف الصالح في تأويلهم للشرع، الذين فسروا القرآن و شرحوه بالتأويل الصحيح، و لم يقولوا بالطامات و لا بالتحريفات التي أظهرها ابن رشد. لأنه مارس التأويل التحريفي الذي أقامه على الفلسفة الأرسطية المشائية، فكل ما خالفها فهو باطل يجب تأويله ليتفق معها، أو يُغفل و يُبعد، و هذا أمر مارسه ابن رشد مرارا، و سنذكر من ذلك أمثلة كثيرة، فيما يأتي من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

(1) فصل المقال، ص: 124.

(2) ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 330، و ما بعدها، و ج 6 ص: 242، و ج 10 ص: 270. و جمال الدين بوقلي، و آخرون: نصوص فلسفية، الجزائر، المعهد الوطني التربوي، 2005، ص: 115.

(3) ابن رشد: فصل المقال، ص: 111، 119.

(4) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، ط 1، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة - مكة المكرمة، ج 1 ص: 239.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت