و جرّت عليها كوارث فكرية و سلوكية كثيرة بما أدخلته عليها من أباطيل اليونان و ضلالاتهم و شركياتهم و خرافاتهم باسم الفلسفة. و الدليل الدامغ على ما قلناه يتمثل في ابن رشد و فكره، فهو نموذج لما جناه هؤلاء على الإسلام و المسلمين، وكل انتقاداتنا المذكورة في كتابنا هذا هي شاهد على ذلك.
و أما الموقف العاشر فصاحبته الباحثة زينب محمد الخضيري، إنها ترى أن ابن رشد كانت له نظرة عقلانية للدين في موقفه من التوفيق بين الفلسفة و الدين [1] . و قولها هذا لا يصح، لأنه ليس من العقلانية السعي للتوفيق بين الشريعة و الفلسفة - أي الأرسطية- لأن كلا منهما مخالف للآخر في أصوله و معظم فروعه. و عليه فليس من العقلانية في شيء التوفيق بين الحق و الباطل، و لا بين المتناقضين، و لا بين التوحيد و الشرك، و لا بين كلام الله و ظنون البشر و أساطيرهم. لذا فإن العمل الذي قام به ابن رشد - في العلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية- ليس عقلانية و إنما هو تحريف و تلفيق، و اعتداء على الدين و العقل، و تلاعب بالشرع و حط من مكانته، و تقديم لفلسفة اليونان على شريعة الرحمن.
و أما إذا جارينا الباحثة زينب الخضيري و سمينا عمل ابن رشد بأنه عقلانية، فإننا نقول: إن العقلانية نوعان، هما: عقلانية قائمة على الشرع الحكيم، و العقل الصريح، و العلم الصحيح. و الثانية هي عقلانية تقوم على الأهواء و الظنون، و التحريفات و التخريفات، و قليل من الصواب. و هذا النوع هو الذي ينطبق على عقلانية ابن رشد في توفيقه المزعوم بين الشريعة و الفلسفة. فهي عقلانية أرسطية تحريفية مُتعصبة نفعية تهدف إلى خدمة الأرسطية أساسا علىحساب الشريعة!، فشاتان بين العقلانيتين!!.
و الموقف الحادي عشر هو للباحث بركات محمد، إنه يرى أن لابن رشد منهجا (( رائدا و متميزا في تصوّره العلاقة بين الدين و الفلسفة ... فقد أسس هذا المنهج على مبدأ ثابت، و هو ضرورة الفصل التام بين عالم الغيب و عالم الشهادة، فصلا جذريا أساسه أن لكل منهما طبيعته الخاصة التي تختلف جوهريا عن طبيعة الآخر ) ). ثم ذكر أن ابن رشد يرى أنه لا يصح دمج قضايا الدين في قضايا الفلسفة أو العكس. و هذا غير ممكن إلا بالتضحية إما بأصول الدين و مبادئه، و إما بأصول الفلسفة و مبادئها [2] .
و أقول: إن ابن رشد لم يفصل فصلا تاما و جذريا في تصوّره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة، و إنما أكد على ثلاثة مبادئ تقوم عليها تلك العلاقة، و هي -أي المبادئ-: الفصل و الوصل و التوفيق، و هو قد نصّ صراحة على مطابقة كل منهما للآخر. و ممارسته للتأويل الباطني بتوسع، و تأكيده عليه و اهتمامه به دليل قوي على أنه لم يكن موقفه هو الفصل الجذري التام بينهما، و كتابه فصل المقال شاهد على ذلك. فالرجل-أي ابن رشد - ما كان يرى الفصل التام و عدم دمج قضايا الدين في قضايا الفلسفة و العكس، فلو قلنا ذلك لانهارت أعمال ابن رشد في موضوع التطابق و التوفيق و التأويل الباطني، و قد خصص لها بعض كتبه. و هو أيضا لم يكن يفصل بين عالم الغيب و عالم الشهادة بالطريقة التي ذكرها الباحث بركات محمد مراد، فقد جمع بينهما في مواضع كثيرة من كتبه الفلسفية، ككتاب تلخيص ما بعد الطبيعة، و الآثار العلوية، و تلخيص السماء و العالم، و هذه الطريقة هي نفسها طريقة أرسطو الذي تكلم عن عالمي الغيب و الشهادة في كتابه الطبيعة.
و أما الموقف الأخير -أي الثاني عشر-، فهو للباحث محمود حمدي زقزوق، ذكر أن ابن رشد كان على اقتناع بعدم وجود تناقض بين الحقيقتين الفلسفية و الدينية، و لم ينتقص من إحدى الحقيقتين لحساب الأخرى، و ظلت العلاقة بينهما (( علاقة متزنة ترتفع فيها كل التناقضات ) )،و تدل نُصوصه في الفصل، و الكشف، و التهافت، على أنه لم يُحاول إعلاء (( الفلسفة على الدين و العكس، بل حاول بيان ما بين الشريعة و الحكمة من اتفاق و اتساق، و بالتالي بيان أنه لا تناقض بينهما البتة ) ) [3] .
و قوله هذا غير صحيح في معظمه، و قد سبق الرد عليه فيما تقدم من الرد على بعض الباحثين السابقين، لكننا نقول: إن القول بوجود حقيقتين فلسفية و دينية، هو تناقض صارخ، لأن الحقيقة لا تتعدد، و إن اختلقت طرق الوصول إليها، و زوايا النظر إليها، لكن الحقيقة في ذاتها واحدة لا تتعدد. و التناقض بين الفلسفة الأرسطية -التي يُؤمن بها ابن رشد- و الشريعة موجود فعلا و حقيقة، و هو الذي جعل ابن رشد يطرح حكاية التطابق و التوفيق، محاولة منه لإزالته، أو التخفيف منه، أو إخفائه خدمة لأرسطيته التي هي خليط من الحقائق و الأباطيل، و الظنون و الخرافات.
و أما قوله بأن ابن رشد لم يُحاول إعلاء الفلسفة على الدين و العكس، فهو-أي ابن رشد- ليس أنه لم يُحاول فقط، و إنما أقره قولا و ممارسة عندما أكد على مبدأ الفصل، و الوصل، و التوفيق، و هذه المبادئ هي التي بواسطتها أعطى مكانة للفلسفة المشائية جعلتها ندا للشريعة من جهة، و أصلا و معيارا و حَكَما في النظر إلى الشريعة من جهة ثانية، مما يعني أنه جعل الشريعة تابعة للأرسطية المشائية من جهة ثالثة. و عمله هذا هو في الحقيقة حط من قيمة الشريعة و مكانتها، و إعلاء من شأن الأرسطية الشركية و تقديم لها على الشرع.
و أما قوله بأن الحقيقتين الدينية و الفلسفية هما وجهان لعملة واحدة [4] . فهو لا يصح، لأن معناه أن الحقيقتين هما وجهان لحقيقة واحدة، و هذا باطل شرعا و عقلا. لأنه لا يصح أن نقول:
(1) زينب الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص: 134.
(2) بركات محمد مراد: تاملات في فلسفة ابن رشد، ط 1، المصدر لخدمات الطباعة، القاهرة، 1988، ص: 160.
(3) محمود حمدي زقزوق: الدين و الفلسفة، ص: 61، 68، 69.
(4) نفس المرجع، ص: 70.