عنده، و هي أن التعارض قائم فعلا بين الخطاب البرهاني الذي تعتمده الفلسفة، و الخطاب الجدلي السوفسطائي الذي اعتمدته الفرق الكلامية، التي لم يكن هدفها بناء الحقيقة، و إنما التأثير في الخصم و هدم آرائه و معتقداته. و هذا أدى إلى تشتت شمل الأمة و الملة، و إلحاق الأذى بالشريعة و الحكمة )) [1] .
و تعقيبا عليه أقول: أولا إن مقصد ابن رشد الأساسي -من تأليفه لتلك الكتب- هو تقرير ثلاثة مبادئ أساسية هي: مبدأ الفصل، و مبدأ الوصل، و مبدأ التوفيق بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية، و هذا أمر سبق تبيانه و مناقشته، و الرد -من خلاله- على ابن رشد فيما ذهب غليه.
و أما قوله-أي الجابري-بأن ابن رشد أكد على التوافق، و هو حلاف التوفيق، فإن الحقيقة ليست كذلك، و إنما هي في أن ابن رشد كما أكد على التطابق و التوافق على أساس مبدأ الوصل، فإنه أكد أيضا على عملية التوفيق و مارسها بناء على مبدأ التأويل الباطني التحريفي.
و ثانيا إن الحقيقة الثابتة الشرعية و التاريخية هي أن التعارض لم يكن قائما بين خطاب المتكلمين و خطاب الفلاسفة و إنما كان قائما أساسا بسبب التناقض العميق بين الشريعة و الفلسفة اليونانية، و هو -أي التناقض- الذي أجبر ابن رشد على التأكيد على مبادئه الثلاثة التي ذكرناها سابقا، و ممارسته للتأويل الباطني من خلال تلك المبادئ. و لو كان التوافق قائما بينهما حقيقة، لما استخدم ابن رشد ذلك التأويل أصلا. لأن التوافق هو تساوٍ و تطابق بين شيئين، فلوكانا -أي الشريعة و الفلسفة- متطابقتين لكانا حقيقة واحدة، و ما احتاج أصلا إلى التأويل الباطني التحريفي أصلا، لكن الواقع خلاف ذلك تماما.
و ثالثا إن قوله-أي الجابري- بأن الفِرق الكلامية لم يكن هدفها الحقيقة، و إنما كان هدفها الانتصار لمذاهبها، فهو اتهام لا يصح على إطلاقه، لأنه إن صدق على بعضهم فلا يصدق عليهم جميعا. علما بأن كل الفرق تقول: إن هدفها الحقيقة، و لا نعلم فرقة منهم أنها قالت خلاف ذلك. علما بأن الانتصار للمذهب ليس عيبا، و لا هو طعنا في النوايا بالضرورة، لأن انتصارها هذا قد يكون طلبا للحقيقة من خلالها-أي المذاهب-. لذا فلا تصح هذه المزايدة عليهم و تنزيه الفلاسفة من التهم الموجهة للمتكلمين، لأن الفلاسفة أنفسهم تعصبوا لأفكارهم و دافعوا عنها و انتصروا لها بكل ما يملكون من جدل و ظنون، و براهين و أساطير، و هذا عمل مارسه ابن رشد نفسه بغلو و تعصب، و قد سبق بيانه و توثيقه.
و رابعا عن اتهام الفِرق الكلامية بتشتيت شمل الأمة و الملة، و إلحاق الأذي بالشريعة، هو اتهام لا يصدق على كل الفرق الكلامية، و ليس خاصا بالمتكلمين فقط. فكل الفرق الإسلامية تتحمل نصيبا مما حل بهذه الأمة بنسب متفاوتة، منها طائفة الفلاسفة التي ساهمت في تمزيق الأمة فكريا و مذهبيا،
(1) ابن رشد: فصل المقال، تقديم محمد عابد الجابري، ص: 7 - 8.