الظلامية الزائفة التي ليس فيها من الحكمة الصحيحة إلا القليل، و المليئة بالأخطاء و الأباطيل، و الظنون و الأهواء، و الشركيات و الخرافات. فابن رشد لم يُوفّق بين الإسلام و الحكمة الشرعية و إنما سعى للتوفيق بين مواضيع إسلامية و الفلسفة الأرسطية- المُسماة زورا بالحكمة- انطلاقا من أرسطيته التي ملكت عليه قلبه و عقله و حواسه.
و أما الموقف الخامس فيتعلق بالرشدي المعروف محمد عاطف العراقي، فهو يرى أن ابن رشد حاول الجمع بين الدين و الفلسفة انطلاقا من (( إيمانه بمبدأ التأويل أو الاجتهاد في فهم النص ) ) [1] .
و تعقيبا عليه أقول: إن حقيقة محاولة ابن رشد هي السعي لإيجاد نوع محدود من التوفيق بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية تحديدا، و ليس بينها و بين الفلسفة مُطلقا. و هي محاولة أساسها إيمانه بالأرسطية أولا و أخيرا، و ليس حكاية الجمع إلا وسيلة لتأويل النصوص الشرعية- التي يُريدها- خدمة لأرسطيته. و هذا التأويل التحريفي الذي مارسه ليس اجتهادا و لا ممارسة في القراءة الصحيحة للنصوص الشرعية، وإنما هو اجتهاد في التأويل الباطني التحريفي لتلك النصوص. فهذه هي الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عنا، لأن ما قاله عاطف العراقي هو نوع من التغليط و التلبيس على القراء.
و الموقف السادس هو للباحث محمد المصباحي، فهو يرى أن دعوة ابن رشد كانت تدعو إلى وحدة الفلسفة و الشريعة [2] . و قوله هذا غير صحيح، لأن ابن رشد كان شديد الحرص على استقلالية الفلسفة الأرسطية و انفصالها عن الشريعة، مع احترام كل منهما للآخر، و مد جسر الاتصال بينهما في نقاط معينة و محدودة لحماية استقلالية تلك الفلسفة، و استخدام الإسلام وسيلة لتكريس ذلك الفصل و الوصل و التوفيق المزعوم. فالرجل كان شديد الغيرة على الأرسطية حتى اعتقد فيها العصمة و قدّمها على الشريعة، و أوّل الشرع من أجلها!. فهو لم يكن يدعوا إلى وحدة الفلسفة الأرسطية و الشريعة على ما ذهب إليه محمد المصباحي، و إنما كان يدعو إلى الفصل و الاتصال و التوفيق انطلاقا من الأرسطية لا الشريعة، و هذا ما أشار إليه المُصباحي نفسه عندما ذكر أن ابن رشد كان يرمي من مشروعه الفكري البقاء في (( الأفق الأرسطي بوصفه الأفق النهائي لتاريخ الفلسفة ) ) [3] . و مشروعه هذا دليل دامغ على أن ابن رشد لم يكن يدعو إلى وحدة الفلسفة و الشريعة، لأن مشروعه الفكري هذا مُناقض للشريعة، و كل منهما لا يقبل الآخر، فكيف تتم هذه الوحدة المزعومة؟. و عنوان كتابه: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال، فهذا شاهد قوي جدا على أن الرجل فصل بينهما و مدّ بينهما جسورا، و لم يكن يدعو إلى وحدة الفلسفة و الشريعة.
و أما الموقف السابع فهو للباحث أوليفر ليمان الذي يرى أن ابن رشد -في كتابه فصل المقال- لم يدلل على أن الفلسفة أعلى مرتبة من الدين، و لا أن الفلاسفة أعلى مرتبة من علماء الكلام. [4] و قوله غير صحيح، لأنه أولا أن ابن رشد نصّ فعلا على أن الفلسفة أعلى مرتبة من الشريعة بدليل الشاهدين الآتيين: أولهما إنه سوى بينهما في المرتبة عندما جعلهما أختين رضيعتين مصطحبتين بالطبع، و متآخيتين بالجوهر و الغريزة. و هذه تسوية باطلة شرعا و عقلا، لأن الشريعة الإسلامية شرع إلهي لا يصح أبدا تسويتها بأي دين أو مذهب آخر، و هذه التسوية هي حط من قيمة الشريعة، و تأخير لها. فعمله هذا هو جريمة في حق الشريعة و طعن فيها، و تقدم بين يديّ الله و رسوله، و الله تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) )-سورة الحجرات: 1 - ، فهذه التسوية هي نوع من أنواع التقدم بين يدي الله و رسوله، و من ثمّ تقديم الفلسفة الأرسطية على شريعة الله تعالى.
و الشاهد الثاني هو أنه-أي ابن رشد- في ممارسته للتأويل الباطني التحريفي أوّل النصوص الشرعية لتوافق الأرسطية و لم يُؤوّل الأرسطية لتوافق الشريعة، فهو أرسط جانبا من الإسلام خدمة للأرسطية، و لم يُؤسلم الأرسطية من أجل الإسلام. فالأصل عنده هو الأرسطية و ليس الشريعة، و هذا حط من قيمتها و تقديم للأرسطية عليها.
و ثانيا إن ابن رشد نصّ صراحة -في كتابه فصل المقال- على أن الفلاسفة أعلى مرتبة من المتكلمين و من باقي طوائف أهل العلم. فجعل الفلاسفة أهل البرهان و اليقين الراسخين في العلم، و جعل المتكلمين من أهل الجدل و ألحقهم بالجمهور و الخطابيين. أليس هذا هو استعلاء على المتكلمين، و إهانة لهم، و تعالم عليهم؟!.
و الموقف الثامن هو للباحث ألفرد إيفري، إنه يرى أن ابن رشد -في كتابه فصل المقال- جعل الفلسفة أعلى (( مقاما من الشريعة لأن الفقيه يشتغل بقياس يستند إلى الظن، أما الفيلسوف فيبدأ من مقدمات ضرورية، و لهذا فقياسه يستند إلى اليقين ) ) [5] . و رأيه هذا صحيح، و الشاهد [6] الذي ذكره يُثبت ما ذهب إليه. و يزيده قوة و توضيحا ما قلناه في ردنا على الباحث أوليفر ليمان.
و أما الموقف التاسع فيخص الباحث محمد عابد الجابري الذي يرى أن جميع الباحثين انساقوا مع (( الدعوى القائلة: إن ابن رشد يُوفق بين الدين و الفلسفة في هذه المؤلفات -أي الفصل، و الكشف، و التهافت-،و الحق أن مقصد ابن رشد كان شيئا آخر: إنه يُؤكد فعلا على توافق و عدم تعارض الشريعة الإسلامية مع الفلسفة - و هذا غير التوفيق-،و لكنه يُركّز على قضية أساسية
(1) عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد، ص: 132.
(2) محمد المصباحي: الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، ص: 132.
(3) نفس المرجع، ص: 133.
(4) مراد وهبة و منى أبو ستة: ابن رشد و التنوير، ص: 53.
(5) نفس المرجع، ص: 65.
(6) سبق أن ناقشنا دعوى ابن رشد في أن قياس الفقيه ظني و قياس الفيلسوف يقيني، و بينا الحقيقة في هذه القضية، في الفصل الخامس.