بفكر تلفيقي ليس جديدا على المشائين، فهو على نهجهم، و قد مارسوه قبله بعدة قرون [1] . علما بأن اتخاذ الفلسفة مُنطلقا له هو أمر مرفوض شرعا و عقلا، لأن المفروض عليه-كمسلم- أن يتخذ الشريعة مُنطلقا وحيدا لفكره و معيارا له، فما وافقها -أي الشريعة- قبله و ما خالفها رفضه. لكن ابن رشد قلب الأمر، فقدم الفلسفة على الشريعة الإسلامية و أحط من مكانتها بهذا الذي قام به، و هذا خلاف ما أراد أن يمدحه به محمد عمارة عندما قال: (( و يبرأ من داء التنازلات ... ) )،و أليس هذا من أكبر التنازلات؟!. إن عمله هذا هو حط من قيمة الشريعة، و تقدم بين يدي الله و رسوله (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) )-سورة الحجرات: 1 - .
لكنه- أي الباحث محمد عمارة - يبدو أنه غيّر موقفه بعض الشيء عندما قال: إن ابن رشد وفّق بين الحكمة و الشريعة انطلاقا من أن الله هو مصدر الكتاب و الحكمة من دون أن يحل (( الفلسفة العقلية محل الشريعة الإلهية -كما يصنع الماديون الغربيون- و لا يجعلهما متجاورتين و منفصلتين. و إنما يُؤسس الفكر عليهما معا، بعد التوفيق بينهما و المؤخاة بينهما ) ) [2] .
و أقول: إن حقيقة موقف ابن رشد من الشريعة و الفلسفة ليس هو إحلال أحدهما محل الآخر، و إنما هو الفصل بينهما ككيانين مُستقلين من جهة، و مد جسر الاتصال بينهما من جهة ثانية، و التوفيق بينهما في مواضع مُعينة بواسطة التأويل الباطني التحريفي من جهة ثالثة، مع عدم التسوية بينهما في المكانة و الأفضلية من جهة رابعة. لأن الرجل-أي ابن رشد- عندما فصل بينهمل ككيانين مُستقلين فإنه لم يسو بينهما في المكانة، فقدم الأرسطية على الشرع، و جعلها هي الأصل و المنطلق، و المحك و المعيار لفكره، فما وفقها قبله، و ما خالفها رفضه و أغفله أو أوّله إن كان من الشرع و أراد تأويله.
و لا يصح قوله بأن ابن رشد أسس فكره عليهما معا، لأن الأصل الذي يجمعهما هو التناقض و هو لا يُمكنه من تأسيس ما ادعاه محمد عمارة، لذا فابن رشد تصرف مع هذا التناقض بعملياته الثلاث: الفصل، و الوصل، و التوفيق التأويلي الباطني التحريفي، فأقام فكره على الأرسطية أولا، ثم على الفكر المُؤوّل الذي هو أرسطي الروح شرعي الشكل ثانيا. مع إغفاله لقسم كبير من الشريعة كأنه غير موجود، و مخالفة قسم آخر في مواضع كثيرة [3] .
و إنه من المغالطة و الجريمة أيضا قوله: إن ابن رشد وفّق بين الكتاب و الحمكة بدعوى أن الله مصدرهما. فهذا مُنكر و تغليط و تلبيس على القراء، لأن الحكمة التي قصدها ابن رشد ليست الحكمة التي يدعو إليها الشرع و العقل الفطري و العلم الصحيح، و إنما هي الفلسفة الأرسطية
(1) سيأتي توثيق ذلك لاحقا.
(2) محمد عمارة: الموقع الفكري لابن رشد بين الغرب و الإسلام، مجلة إسلامية المعرفة، العدد الثاني، موقع المجلة على الأنترنت.
(3) ك ما ذكرناه سبق توثيقه.