فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 232

بينهما، لكنه كان في حاجة ماسة إلى استخدام الإسلام لخدمة عقيدته و مذهبيته الأرسطية في قضايا معينة تهمه، فاستخدم بعض عقائد الإسلام -بتأويله لها- لتحقيق ما كان يُريده خدمة للأرسطية. فهو لم يستخدم الإسلام لأسلمة الأرسطية، و لا لأرسطة الإسلام كله، و إنما أخذ منه ما يخدمه باستخدام التأويل التحريفي التلفيقي، و بهذه الطريقة وجد في الإسلام ما يخدم مذهبيته الفلسفية، لكنه لم يجد فيه فلسفته الأرسطية لأنها لا توجد فيه أصلا.

و هو -أي ابن رشد- لو أقام تفلسفه على النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، لأبدع إبداعا كبيرا، و تخلّص من أغلال الفلسفة الأرسطية و خرافاتها و ظنياتها، لكنه لم يكن في مستوى القيام بهذا العمل الهام، ولا في مستوى الشرع و العقل و العلم.

و ذكر أيضا-أي محمد يوسف موسى- أن ابن رشد قال: (( كل نبي فيلسوف ) ) [1] . و قوله هذا يبدوا أنه من آثار العلاقة التي أقامها بين الشريعة و الفلسفة اليونانية التي يرى محمد يوسف موسى أنه وُفق فيها [2] . لكن الحقيقة خلاف ذلك، لأن النبي ليس فيلسوفا و لا باحثا و لا مفكرا و لا عالما، و إنما هو رسول من الله تعالى اختاره الله من بين البشر و فضّله عليهم بالوحي، لقوله تعالى: (( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّاتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) )-سورة إبراهيم: 11 - ،و هو في غاية الكمال البشري علما و خلقا، و علمه لَدُني أتاه الله أياه، قال تعالى: (( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا ) )-سورة طه: 99 - ،و (( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) )- سورة الكهف: 65 - ، فالنبي صناعة إلهية مباشرة، خلاف الفيلسوف الذي هو إنسان عادي لا يختلف عن غيره من أهل العلم، الذين يعتمدون على العقل و الحواس في طلب العلم واكتشافه. و أعماله العلمية ليست مُطلقة الصحة، و إنما هي نسبية مُحتملة للخطأ و الصواب معا. لذا لا يصح القول: إن كل نبي فيلسوف، لأن النبي يختلف عنه بالوحي و ما يترتب عن ذلك من صفات و سلوكيات.

و أما الموقف الرابع فهو يخص الباحث محمد عمارة الذي يرى أن ابن رشد حرص على أن (( يُوفق ما بين الحكمة و الشريعة من على أرض الفلسفة حتى يأتي التوفيق بفكر فلسفي جديد ويبرأ من داء التنازلات و الحلول الوسط التي تُصاب بها عادة هذه المحاولات ) ) [3] .

و أقول: إن ابن رشد أنطلق في عملية التوفيق المزعومة من مُنطلق الفلسفة الأرسطية المشائية، و ليس من الفلسفة مُطلقا لأن التفريق بين الأمرين هام جدا و يجب أن لا يغيب عنا. و قد كان ذلك التوفيق نتيجة تأويله الباطني التحريفي للشرع خدمة للأرسطية، فأرسط النصوص التي أوّلها و جاء

(1) نفس المرجع، ص: 108.

(2) نفس المرجع، ص: 226.

(3) محمد عمارة: المادية و المثالية في فلسفة ابن رشد، ص: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت