فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 232

شرّف الله الإسلام و أوضح حججه، و قطع العذر بالأدلة، و ما مثل من نصر الإسلام بمذاهب الفلاسفة و الآراء المنطقية، إلا كمن يغسل الثوب بالبول )) [1] .

و قوله هذا صحيح بناه على أساس نظرة موضوعية عميقة لأصول الشريعة و الفلسفة الأرسطية المشائية، و هو يُوافق ابن تيمية في أن ابن رشد و أصحابه سعوا للجمع بين الشريعة و تلك الفلسفة، و بمعنى آخر أنهم سعوا للتوفيق بنهما انطلاقا من خلفيتهم المذهبية الأرسطية المُخالفة للشرع.

و أما الموقف الثالث فهو للباحث محمد يوسف موسى، إنه ذكر أن ابن رشد كانت فيه نزعة شديدة للتوفيق بين الشريعة و الفلسفة، حتى أنها تُعتبر (( معقد الأصالة و الطرافة في تفكيره الفلسفي ) ) [2] . و نحن لا نوافقه على ما ذهب غليه، لأن اهتمام ابن رشد بذلك التوفيق، و تركيزه عليه، و تحمسه له، يُعبر في الحقيقة و بالدرجة الأولى عن أزمة فكرية حادة كان يُعاني منها ابن رشد، و لا يُعبر عن أصالة ولا ظرافة و لا أبداع، لأن الإنسان السوي الصادق الإيمان بالإسلام يمعناه الصحيح الشامل الكامل لا يحتاج أبدا إلى الفلسفة الأرسطية و اليونانية عامة. و الإنسان الصادق الإيمان بتلك الفلسفة المكتفي بها، و المُنسجم مع نفسه لا يحتاج إلى أن يُوفق بينها و بين شريعة الإسلام، لأنه موضوعي مع نفسه، و يعرف أن الجمع بينهما هو تناقص واضح و رفض لهما معا. لكن ابن رشد لم يكن أحد الاثنين، فهو مع إيمانه القوي بالأرسطية لم يستطع التخلي عن دينه من جهة، و هو مع إيمانه الضعيف بدينه لم يستطع التخلي عن الأرسطية. فالرجل كان يُعاني من أزمة فكرية نفسية، أوصلته إلى تأويل الشريعة لتتوافق مع الأرسطية بطريقة تحريفية تلفيقية.

و يرى أيضا أن ابن رشد -في عمليته التوفيقية- لم يغل في التأويل كالمعتزلة، و لم يُحاول أن (( يجعل من القرآن و الحديث كتابا فلسفيا، أو لم يُحاول -بتعبير آخر- أن يجد فلسفة أرسطو-الذي عُرف أنه شارحها الأول- في القرآن و الحديث ليكون توفيقا بين الوحي و الفلسفة ) ) [3] .

و تعليقا عليه أقول: أولا إن ابن رشد هو فعلا و حقيقة من الغلاة في التأويل الباطني، و هذا أمر ثابت لا شك فيه، و قد ذكرنا نماذج كثيرة من تأويلاته التحريفية لنصوص شرعية تتعلق بأصول الدين، كتأويله لبعض النصوص المتعلقة بخلق العالم، و المعاد الأخروي، و الصفات الإلهية، و من يصل به الأمر إلى تأويل ذلك فهو من غلاة المؤولين بلا شك، و إن اختلفت درجة الغلو بين الغلاة.

و ثانيا إن ابن رشد أنطلق -في تفلسفه- من الأرسطية و ليس من الإسلام، لذا فهو لم يكن في حاجة إلى أن يجد فلسفة أرسطو في الإسلام، لأنه آمن بها مع مُخالفتها له-أي للإسلام-،و فصل

(1) ميزان الاعتدال، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995، ج 5 ص: 173، 174.و تذكرة الحفاظ، ط 1، دار الصميعي، الرياض، 1415، ج 1 ص: 205.و السيّر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 19 ص: 495.

(2) محمد يوسف موسى: بين الدين و الفلسفة في رأي ابن رشد و فلاسفة العصر الوسيط، ط 2، دار العصر الحديث، بيروت، 1988، ص: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت