غيرهم بأن ينتفعوا بذلك، لذا قال الله تعلى: (( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) )-سورة الذاريات: 55 - .
و أما الجدل فقد سبق أن بينا أن ابن رشد أعطى للجدل مفهوما أرسطيا و لم يُعطه مفهوما شرعيا، و ذكرنا أنه أغفل المفهوم الشرعي للجدل في مؤلفاته. و أما مفهومه للحكمة فهو أيضا ليس مفهوما شرعيا، لأن الحكمة عنده هي الفلسفة عامة و الأرسطية خاصة، و الحكماء عنده هم الفلاسفة، و أما غيرهم من أهل العلم فهم من الجدليين و الجمهور [1] . و هذا اعتداء على الشرع و تحريف له، لأن الحكمة في الشريعة أساسها معرفة علوم الكتاب و السنة والالتزام بهما أولا، ثم كل صحيح ينفع الإنسان ثانيا، و أهلها هم الأنبياء و أتباعهم، و من سار على نهجهم إلى يوم الدين [2] . و أما فلسفة أرسطو فليس فيها من الحكمة إلا القليل، و هي مليئة بالشركيات، و الأباطيل، و الظنون الخرافات، و الأوهام و الأخطاء. فأين المفهوم الشرعي الذي أعطاه ابن رشد لذلك التقسيم؟!.
و أما الخاصية الثانية فإن منهجه الاستدلالي يتصف بكثرة الدعاوى العريضة، و الأحكام القطعية، و الاستعلاء على أهل العلم من جهة، و كثرة المخالفات الشرعية، و التأويلات الباطلة، و قلة البرهان و اليقين و التحقيق من جهة ثانية.
و الخاصية الثالثة، إن منهجه ليس منهجا شرعيا في أسسه و تطبيقاته و غاياته، و إنما هو منهج أرسطي، غايته خدمة الأرسطية المشائية بمختلف الوسائل الممكنة، في مقدمتها استخدام التأويل التحريفي في التعامل نصوص الكتاب و السنة.
و الخاصية الأخيرة -و هي الرابعة- إنه منهج خطير على الشريعة يستبطن إنكار حُجيتها، بدليل أنه قال: إن الفلاسفة جميعا اتفقوا على أن مبادئ العمل بالشريعة يجب (( أن تُؤخذ تقليدا، إذ كان لا سبيل إلى البرهان على وجوب العمل إلا بوجود الفضائل الحاصلة عن الأعمال الخلقية و العملية ) ) [3] .
و معنى قوله هذا أن مبادئ العمل بالشريعة ليست مُبرهنة من داخلها، و لا سبيل للبرهنة على وجوب العمل بها إلا من آثار تطبيقها في الواقع العملي. و هذا زعم باطل شرعا و عقلا، فأما شرعا فإن الله تعالى وصف شريعته بأنها حق و علم، و برهان و بيان، و نور و آيات، كقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) )-سورة النساء: 174 - ، و (( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ) )-سورة البقرة: 145 - ، و (( قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) )-سورة المائدة: 15 - ، فالشريعة كلها حق و برهان لا تحتاج إلى من يُبرهنها من خارجها.
(1) سبق توثيق ذلك مرارا.
(2) الراغب الأصفهاني: مفردات القرآن، ص: 347.
(3) ابن رشد: تهافت التهافت، ص:374.