فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 232

فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ - سورة آل عمران/137 - ، و (( فل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل، كان أكثرهم مشركين ) )-سورة الروم/42 - ، فالله تعالى دعا الإنسان إلى السير في الأرض و النظر فيها، و البحث عن الكيفية و المصير معا، ليُقيم عليه الحجة، و ليُعرفه بما يجهله من تاريخ الطبيعة و الإنسان معا، و ليحثه على استغلال الطبيعة التي سخرها له. و لا شك أن هذا السير بما فيه من نظر و بحث و اعتبار و استغلال و استنتاج يتضمن منهجا علميا استدلاليا تجريبيا، إذ بدونه لا يمكن الوصول إلى ما دعت إليه تلك الآيات و غيرها.

و أما ما ذكره الباحث محمود حمدي زقزوق من أن المستشرق جوتيه ذكر أن ابن رشد في تقسيمه للأدلة إلى برهانية، و جدلية، و خطابية هي طريقة أو نظرية يونانية بحتة. ثم علق عليه بقوله: هذا زعم تنقصه الدقة، و فات جوتية التفريق بين أمرين، هما: الشكل و المضمون في استخدام ابن رشد للأدلة الثلاثة، فبالنسبة للمضمون فإنه-أي ابن رشد - اعتمد فيما ذهب إليه على قوله تعالى (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) )-سورة النحل: 125 - ،و بناء على ذلك فلا مجال للقول (( بأن ابن رشد قد أخذ نظرية الطبقات الثلاث للأدلة ... من الفلسفة الإغريقية ) )، لكن الذي يمكن أن يُقال هنا هو: إن ابن رشد -على أكثر تقدير- استعار في هذه النظرية شكلا يونانيا لمضمون إسلامي [1] .

و أقول: إن ما ذهب إليه البحث حمدي زقزوق ضعيف جدا و لا يصح، لأن ابن رشد أخذ التقسيم الثلاثي من المنطق الأرسطي شكلا و مضمونا بلاشك. لأن ابن رشد بما أنه كان أرسطيا قلبا و قالبا فمن الطبيعي جدا أن يأخذ ذلك التقسيم من الأرسطية لأنه موجود فيها حقيقة، و إنما هو استخدم تلك الآية لأنه رآها توافق ما أراد أن يقوله. و ذلك التقسيم موجود في المنطق الصوري، و هو واضح من مؤلفات أرسطو المنطقية، و منها: الخطابة، و الجدل، و البرهان، فهذه المصنفات تعبر عن ذلك التقسيم شكلا و مضمونا.

علما بأن ابن رشد في تفسيره لتلك الآية أخضعها للتأويل التحريفي لتوافق ذلك التقسيم الأرسطي، و هذا أمر سبق بيانه و توثيقه، لأن الآية نصّت صراحة على الدعوة إلى الله حسب مراتب الناس، و ليس خاصة بطرق التصديق و الاستدلال العلمي.

و أما قوله بأن ابن رشد أعطى لذلك التقسيم مضمونا إسلاميا، فهو ضعيف جدا، لأن ابن رشد جعل الخطابة و الوعظ خاصين بالجمهور، و هذا مُخالف للشرع، لأن ذلك الخطاب الشرعي موجه لكل المسلمين دون استثناء و لا تخصيص، و ينتفع به كل الناس، و أهل البرهان أولى من

(1) محمود حمدي زقزوق: الدين و الفلسفة و التنوير، دار المعارف، القاهرة، د ت، ص: 59، 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت