و من ذلك أيضا أنه استخدم ألفاظا و مصطلحات ليست إسلامية وصف بها الله تعالى، فوصفه بأنه العقل الأول، و المبدأ الأول، و الواحد البسيط، و المحرك الذي لا يتحرك [1] .و منها أيضا أنه تصرّف في ألفاظ بعض المصطلحات للتخفيف من حدتها و وقعها و تأثيرها عندما يسمعها أو يقرأها المسلمون، فلا تُثير فيهم رد فعل قوي رافض لما ذكره. و مثال ذلك أنه عبّر عن العقول السماوية الأزلية الخالدة ذات الطبيعة الإلهية، و المتصرفة في الكون [2] ، بأنها الصُوّر الجوهرية، و مبادئ الأجرام السماوية، و المفارقات [3] .
و ذكر الباحث المغربي طه عبد الرحمن أن ابن رشد تصرّف في بعض المصطلحات اليونانية، حتى وصل به الأمر إلى ما يشبه التحريف، ليُقرّب مضامينها تقريبا إسلاميا، فجعل من الإله اليوناني (( أطلس ) )ملكا. و أوّل اسم الجنس (( الإله ) )، بمعنى الفلك [4] .
و يُستنتج من تلك النماذج أن ابن رشد مارس التحريف و التغليط المُتعمدين في استعماله الألفاظ و المصطلحات. فدلّس على القراء و غلّطهم، و بلبل أفكارهم، و أثار فيهم الشبهات، و أبعدهم عن المصطلحات الشرعية، و روّج بينهم الألفاظ و المصطلحات غير الإسلامية. فعل كل ذلك انتصارا للأرسطية المشائية، و تأويلا للنصوص الشرعية لتتفق مع تلك الفلسفة و تكون في خدمتها. و كلامنا هذا يشهد له ما سبق أن ذكرناه، و سيزيده ما يأتي تأكيدا و إثراء، إن شاء الله تعالى.
و ختاما لهذا الفصل - و هو الثالث- يتبين منه أن ابن رشد كان قليل الاهتمام بالسنة النبوية في كتبه الكلامية و الفلسفية التي أطلعتُ عليها. و لم يُنوّه بمكانتها اللائقة بها، و أغفلها في مواضع كثيرة كان سياق الموضوع يستدعي ذكرها، و أحيانا قرر ما يُخالفها.
و تبين أيضا أنه أهمل أصحاب الحديث كجماعة فاعلة في المجتمع، و كطائفة صاحبة مذهب فكري عريق في الأصالة، و يُعبر عن الفهم الصحيح الإسلام. فمارس في حقهم الإغفال و الاتهام، و حرم نفسه و قراءه من الانتفاع الصحيح و الكامل بمذهبهم.
و أتضح أيضا أن فهمه لفضية الهداية و الضلال كان فهما ناقصا مُحرِفًا لها، عندما زعم أن النصوص الشرعية المتعلقة بها متعارضة يجب إخضاعها للتأويل العقلي حسب زعمه. فجاء فهمه لها مُخالفا للشرع و العقل معا، لإبعاده المنهج الشرعي في تناوله لتلك القضية بسبب منطلقه المذهبي الأرسطي الذي تحكم في نظرته إليها.
(1) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 124، 125، 147، 148، 149.
(2) سبق توثيق ذلك.
(3) ابن رشد: فصل المقال، ص: 12. و تهافت التهافت، ص: 145، 146.
(4) طه عبد الرحمن: المرجع السابق، ص: 197.