فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 232

الاستدلال، و إلا ما أمرنا الشرع بإتباعها، و هذا أمر معروف من دين الإسلام بالضرورة، و لا يصح أن يغيب عن مسلم.

و أما بالنسبة لمدى استخدامه للسنة النبوية، فهو بلا شك قد استخدم طائفة منها، في كتبه الكلامية و الفلسفية، منها أنه استخدم 5 أحاديث في كتابه فل المقال [1] ، و استخدم 14 حديثا في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة [2] . لكنها قليلة، كان في مقدوره استخدام أكثر من ذلك، خاصة و أنه تناول مواضيع متنوعة لها علاقة وطيدة بأحاديث كثيرة، المفروض أنها لا تغيب عنه بحكم أنه فقيه من كبار قضاة المالكية.

و أما الأحاديث التي غابت عنه أو أغفلها [3] ، فمنها أربعة أحاديث، أولها حديث صحيح يقول فيه رسول الله -عليه الصلاة و السلام-: (( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ) ) [4] . و هذا حديث عظيم له علاقة مباشرة بموضوع خلق العالم، و القضاء و القدر، لكن ابن رشد لم يذكره عندما تطرق إلى موضوع خلق العالم في كتبه الكلامية و الفلسفية التي أطلعتُ عليها، كالفصل، و الكشف، و التهافت، و تلخيص ما بعد الطبيعة. فكان من المفروض عليه أن يذكره و يعتمد عليه، مع أنه يُخالفه في قوله بأزلية العالم، و ربما هذا هو السبب الذي جعله يغفله.

و أما الحديث الثاني فهو حديث صحيح، يقول فيه رسول الله -عليه الصلاة و السلام-: (( لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده غلبت - أو قال سبقت - رحمتي غضبي فهو عنده فوق العرش ) ) [5] .و هذا حديث هام جدا، يتعلق بخلق العالم، و الصفات الإلهية، و القضاء و القدر، لكن ابن رشد لم يذكره في المواضع التي تناول فيها تلك المواضيع في كتبه الكلامية و الفلسفية التي تمكّنت من الإطلاع عليها.

و الحديث الثالث يتعلق بموضوع الرؤيا، و هو حديث صحيح يقول فيه النبي-عليه الصلاة و السلام-: (( الرؤيا ثلاثا: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه ) ) [6] و هذا الحديث لم يذكره ابن رشد عندما تكلم عن موضوع الرؤيا في كتابه تلخيص الحِس و المحسوس، فكان مما قاله: (( و إنما كان بعض الناس أصدق رؤيا من بعض، و أكثر رؤيا في النوم من بعض، لموضع تفاضلهم في هذه القوة، أعني قوة التخيل ) ) [7] . فهو هنا لم يذكر الحديث النبوي الذي ذكرناه، و لا الأحاديث الأخرى المتعلقة بالرؤى و الأحلام، و بمعنى آخر أنه أغفل السنة النبوية تماما. و قدّم تفسيرا مغايرا لسبب صدق الرؤيا في الشرع بناء على الحديث النبوي، فهو جعل سبب صدقها قوة التخيل، لكن الحديث قسّمها إلى ثلاثة أنواع، الأولى هي الصحيحة لأنها بُشرى من الله تعالى. فابن رشد أغفل الحديث، و خالفه في التفسير، و أخطأ في تعليله لصدق الرؤيا بالتخيّل. لأن معنى كلامه هو أن الإنسان هو الذي يتحكم في صدق رؤياه بالتخيل، فكلما كان أقوى تخيلا كان أصدق رؤيا، و هذا مخالف للحديث، و للواقع الذي يشهد أن الإنسان لا يتحكم في صدق رؤياه بالتخيل و لا بغيره.

و أما الحديث الأخير - أي الرابع- فهو حديث صحيح يتعلق بدور المرأة في نوع الجنين من حيث الذكورة و الأنوثة، يقول فيه النبي -عليه الصلاة و السلام-: (( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثى بإذن الله ... ) ) [8] . فهذا الحديث نصّ صراحة على أن كلا من المرأة يُساهم في نوع الجنين من حيث الذكورة و الأنوثة، لكن ابن رشد أغفله و خالفه عندما تناول هذا الموضوع في كتابه الكليات في الطب [9] ،و نصّ على أن مني الرجل وحده هو السبب في تكوّن الجنين و نوعه، موافقا لأرسطو و منتصرا لرأيه [10] . فهو هنا خالف الحديث الصحيح، و الأطباء الذين حالفوا أرسطو و انتقدوه فيما ذهب إليه [11] . و قد بيّن العلم الحديث خطأ أرسطو و ابن رشد فيما قالا به، و وافق ما جاء في الحديث النبوي من أن كلا من الرجل و المرأة له دور في تكوّن الجنين و نوعه، و هذا أمر أصبح من الحقائق الثابتة التي لا تحتاج إلى توثيق.

و أُشير هنا أيضا إلى أن ابن رشد لم يُخالف الحديث فقط برأيه الذي قال به، و إنما خالف أيضا القرآن الكريم، و كبار مفسري السلف. لأن القرآن أشار إلى دور الرجل و المرأة في تكوّن الجنين في قوله تعالى: (( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) )- سورة الإنسان: 2 - ، بمعنى من نطفة أخلاط، لأن المشج هو الأخلاط، و معناه أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة، و هذا قال به

(1) حسب فهرس الأحاديث التي في آخر الكتاب، ص: 131.

(2) حسب فهرس الأحاديث التي في آخر الكتاب، ص: 213.

(3) ربما يكون قد ذكرها في مؤلفات أخرى، لكنه لم يذكرها في المواضع التي كان من المفروض أو من المستحسن ذكرها فيها، و هي التي سنذكر نماذج منها.

(4) البخاري: الجامع الصحيح، رقم الحديث، 6982، ج 6 ص: 2699.

(5) نفس المصدر، رقم الحديث، 7114، ج 6 ص: 2745.

(6) ناصر الدين الألباني: السلسلة الصحيحة، مكتبة المعارف، الرياض، ج 8 ص: 15.

(7) ابن رشد: تلخيص الحس و المحسوس، حققه ه. جاتيه، فيسبادن، 1961، ... ص: 91.

(8) مسلم: الجامع الصحيح، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي - بيروت، رقم الحديث: 315 ج 1 ص: 252.

(9) لم أتحصل على هذا الكتاب، لكنني نقلتُ ذلك عن الباحث محمد عابد الجابري فالعهدة عليه.

(10) الجابري: ابن رشد، ص: 235، 236.

(11) ابن قيم الجوزية: التبيان في أقسام القرآن، دار الفكر، بيروت، ص: 210، 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت