طائفة من علماء السلف الأول، كابن عباس، و عِكرمة، و مجاهد، و الحسن البصري و غيرهم [1] .
و من مظاهر إغفال ابن رشد للسنة النبوية أيضا، أنه عندما زعم أن الشرع خاطب الجمهور بظواهر النصوص، و خصّ الفلاسفة بالتأويل البرهاني لتلك النصوص التي هي كفر يجب تأويله [2] .أغفل سنة النبي و سيرته-عليه الصلاة و السلام-،و لم يحتكم إليها ليعرف أكان زعمه صحيحا أم باطلا؟. فلو رجع إليها لعرف أنه كان مُخطئا، لأننا نعلم أن رسول الله أقام دعوته على الصدق، و الحق، و الأمانة، و الحكمة، و الوضوح، و لم يُقمها على التدليس و التغليط و ازدواجية الخطاب و الشخصية في تعامله مع عامة الناس و خاصتهم. و قولنا هذا لا يحتاج إلى توثيق، فهو متواتر يشهد له القرآن الكريم، و الروايات الحديثية و التاريخية.
و أما فيما يخص كيفية تعامل ابن رشد مع الأحاديث النبوية التي ذكرها في مؤلفاته الكلامية و الفلسفية، فسأذكر من ذلك سبعة أحاديث كشواهد على ما أريد أن أقوله. أولها إنه عندما ذكر حديث الجارية التي سألها النبي-عليه الصلاة و السلام- بقوله: أين الله؟، فقالت: في السماء. فقال: (( اعتقها فإنها مؤمنة ) ) [3] . فإن ابن رشد زعم أن حمل هذا الحديث على ظاهره كفر، و يجب تأويله، و الرسول-عليه الصلاة و السلام- قال ذلك للجارية لأنها لم تكن من أهل البرهان الذين عليهم تأويل هذا الصنف من النصوص الشرعية [4] .
و قوله هذا هو زعم باطل مرتبط بالتأويل التحريفي، وقد سبق أن ناقشناه و أبطلنا مزاعم ابن رشد في ذلك في الفصل الأول من جهة، و هو أيضا رد للحديث، و اتهام لرسول الله من جهة أخرى بأنه أقر مسلمة على ظاهر هو كفر، و خادعها عندما لم يُبين الحقيقة على حد زعم ابن رشد؛ و حاشا لرسول الله أن يفعل ذلك، فهذا افتراء على الله و رسوله، و رد للنصوص الشرعية. فعجبا من ابن رشد ما ذا فعل في نفسه؟!، و أين أوصله تعصبه المذهبي، حتى يزعم ذلك الزعم الباطل؟!.
و الشاهد الثاني يتعلق بحديث ذكره ابن رشد يقوله: (( و لذلك قال عليه السلام: إنا معشر الأنبياء أُمرنا أن نُنزل الناس منازلهم، و أن نُخاطبهم على قدر عقولهم ) ) [5] . هذا الحديث أورده ابن رشد و استدل به على ما ذهب غليه من ضرورة التفريق بين طريقة تعليم الجمهور، و طريقة تعليم الخواص، من دون أية إشارة إلى رواة الحديث و درجته من حيث الصحة و السقم. و عليه فنحن نقول:
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 4 ص: 582. و الراغب الأصفهاني: مفردات القرآن، ص: 1368.
(2) سبق التوسع في ذلك و توثيقه في الفصل الأول.
(3) مسلم: الصحيح، رقم الحديث: 537، ج 1 ص: 381.
(4) ابن رشد: فصل المقال، ص: 111.
(5) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 159.