أولا إن الحديث بالصيغة التي ذكرها لا يُوجد في كتب الحديث السنية المعتمدة، كالصحاح، و السنن، و المسانيد، و إنما الموجود من ذلك الحديث هو: (( انزلوا الناس منازلهم ) ) [1] ، فلا توجد فيه عبارات (( إنا معشر الأنبياء أُمرنا ... و أن نُخاطبهم على قدر عقولهم ) )،و هذه العبارات لا توجد أيضا في تلك المصنفات السابق ذكرها، لكنني عثرتُ على الحديث الذي ذكره ابن رشد في بعض كتب الحديث المتأخرة، ألحقته بالأحاديث الضعيفة [2] . و أما الجزء من الحديث التي روته بعض كتب الحديث السنية، و هو (( انزلوا الناس منازلهم ) )، فهو أيضا حديث ضعيف [3] .
و ثانيا إن ابن رشد استدل بحديث ضعيف يتعلق بأمر هام جدا، موضوعه طريقة تعليم عامة الناس و خاصتهم، فكان عليه أن لا يبني حكما على حديث ضعيف، و أن يُحد درجته من الصحة و الضعف، و أن لا يذكره بأسلوب يُفيد التأكيد و الإثبات عندما قال: (( و لذلك قال عليه الصلاة و السلام ) )، فلا يصح استخدام هذا الأسلوب مع الأحاديث الضعيفة، و كان عليه أن يستخدم أسلوب التمريض و التشكيك، كقولنا: يُروى، و يُحكى، و يُقال.
و الحديث الثالث ذكره ابن رشد عندما تكلم عن صنف من النصوص الشرعية التي لا يتأولها إلا خواص العلماء حسب زعمه، فقال: (( و هذا مثل قوله عليه الصلاة و السلام: (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض ) ) [4] .و هذا الحديث استدل به ابن رشد فيما ذهب إليه، من دون تخريج له، و لا ذكر لدرجته، و أورده بصيغة الإثبات لا التمريض، في أمر يتعلق بموضوع الصفات و تأويلها، فلو تحقق من الحديث ما استشهد به فيما ذهب إليه، لأنه حديث ضعيف [5] لا يصح استخدامه في ذلك الموضوع.
و للشيخ تقي الدين بن تيمية رأي مفيد في قراءته لهذا الحديث الضعيف يقول فيه: (( فهذا الخبر لو صح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكن ظاهرة أن الحجر صفة لله، بل صريح في أنه ليس صفة لله لقوله يمين الله في الأرض فقيده في الأرض، و لقوله فمن صافحه فكأنما صافح الله، و المشبه ليس هو المشبه به، و إذا كان صريحا في أنه ليس صفة لله لم يحتج إلى تأويل يخالف ظاهرة. و نظائر هذا كثيرة مما يكون في الآية والحديث ما يبين أنه لم يرد به المعنى الباطل، فلا يحتاج نفي ذلك إلى دليل منفصل ولا تأويل يخرج اللفظ عن موجبه ومقتضاه ) ) [6] .
(1) أبو داود السجستاني: السنن، دار الفكر، بيروت، رقم الحديث، 4842، ج 2 ص: 677.
(2) السيوطي: الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، ط 1، دار العربية، بيروت، ص: 85. و محمد بهاء الزكشي: التذكرة في الأحاديث المشتهرة، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406، ص: 107.
(3) الألباني: السلسلة الضعيفة، مكتبة المعارف الرياض، ج 4 ص: 367، 368.
(4) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 206.
(5) ابن الجوزي: العلل المتناهية، ط!، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403، ج 2 ص: 575. و الألباني: المرجع السابق، ج 1 ص: 390.
(6) درء تعارض العقل و النقل، ج 2 ص: 146.