فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 232

و يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن مقالة المشائين- و منهم ابن رشد- في العقول المفارقة هي شيء لم يقله أحد من اليهود، و لا النصارى، و لا من مشركي العرب، و هو كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب و مشركي العرب [1] .

و قوله هذا صحيح في ميزان الشرع و العقل، فقد زعم ابن رشد و أصحابه قولا لا دليل لهم فيه من الشرع، و لا من العقل، و لا من العلم. و هو زعم يندرج في خانة الأساطير و الأوهام الأهواء، و لا يمت إلى العلم بصلة. و هو شرك صريح يقوم على القول بتعدد الآلهة المتمثلة في العقول المفارقة المزعومة.

و أُشير هنا إلى أن ابن رشد و أصحابه زعموا أن الملائكة هي العقول المفارقة، كالعقل الفعال الذي هو ملك الوحي-أي جبريل-،و هي أزلية لا تموت، و لها تصرف في العالم تسييرا و إيجادا [2] .و قوله هذا لا دليل عليه من الشرع و لا من العقل، و هو رجم بالغيب، وقول بلا علم من جهة، و تحريف للشرع، و افتراء عليه، و تلاعب به من جهة أخرى. لأن الشرع نصّ صراحة على أن الملائكة مخلوقون عبيد لله تعالى، ليسوا آلهة و لا أربابا لهذا العالم، قال تعالى: (( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) )- سورة الفرقان: 2 - ، و (( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) )-سورة الرعد: 13 - ، و (( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) )- سورة صـ: 73 - ،و (( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) )-سورة الزخرف: 19 - .

و أما موقفه من العقل الإنساني، فيعتقد ابن رشد أن العقول الفردية الإنسانية هي عقول فاسدة، و عندما تفارق أبدانها-بعد الموت- تلتحق بالعقل الفعال الأزلي الخالد، فتُصبح أزلية مثله، و تكوّن عقلا كليا جوهريا أزليا خالدا واحدا لكل الإنسانية [3] .

و قوله هذا هو أيضا زعم باطل لا دليل عليه من الشرع و لا من العقل، و ما هو إلا ظنون و تحمينات و أوهام، خرّجها على مذهبيته المشائية في الإلهيات الأرسطية. و نقدنا السابق ذكره -الخاص بالنفس الكلية- هو نفسه يُوجه إليه هنا في موقفه من العقل الكلي، فلا نعيد ذكره هنا.

و ترى الباحثة زينب محمد الخضيري أن ابن رشد كان غامضا في موقفه من العقل الفعال، فهل هو موجود في كل فرد، أم هو مُفارق للبشرية كلها؟.و لعل أن من أسباب غموضه هو أنه قد (( لجأ

(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 104. و الرد على المنطقيين، ص: 102.

(2) ابن رشد: تهافت الفلاسفة، ص: 331. و تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 87. و الحس و المحسوس، ص: 81. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 259. و زينب الخضيري: المرجع السابق، ص: 236.

(3) زينب الخضيري: نفس المرجع، 331. و محمد المصباحي: الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، ص: 20، 21. و محمد عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد، ص: 91، 92. و الموسوعة العربية الميسرة، ج 1 ص: 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت