الأرسطية إلا تحليل لضرب واحد من ضروب العلاقات، و هو علاقة التعدي، فإذا عرفت أن العلاقات كثيرة لا تكاد تقع تحت الحصر أدركت كم تنحصر قيمة القياس الأرسطي في دائرة غاية الصغر و الضيق )) [1] .
و آخرهم-أي الخامس- هو الباحث محمد عابد الجابري، إنه ذكر أن منطق أرسطو بقي (( إلى القرن الثامن عشر يمثل السقف الذي لا يمكن تجاوزه في موضوعه ) )،و ظلت فلسفته-بصفة عامة- تمثل السلطة المرجعية العلمية الأولى إلى القرن السادس عشر في العالم العربي و أوروبا )) . ثم وصف الجابري تلك الفلسفة بأنها الفلسفة العلمية البرهانية التي جعلت العقل هو المرجعية الوحيدة لها. و طريقتها البرهانية هي التي اعتمد عليها ابن رشد، و التي تنطلق من المحسوس إلى المعقول [2] .
و ردا عليه أقول: أولا إن قوله بأن المنطق الأرسطي بقي السقف الذي لا يمكن تجاوزه في موضوعه إلى القرن 18 م، هو قول مبالغ فيه جدا، و لا يُعبر عن الحقيقة التاريخية، لأنه ليس صحيحا أن ذلك المنطق لم يُتجاوز، فقد تجاوزه كبار علماء الإسلام قبل تسلله إلى علوم الشريعة في القرن الخامس الهجري و ما بعده، ثم تجاوزه بعد ذلك أيضا معظم علماء أهل الحديث إلى نهاية العصر الإسلامي. و هؤلاء تجاوزوا ذلك المنطق بموقفين، هما: الرد العملي، و الرد العلمي، فأما الرد الأول فتمثل في رفضهم لذلك المنطق و إبعاده كلية من علومهم الشرعية و غيرها [3] ، فأقاموها على منهج الشرع الحكيم، و العقل الفطري الصريح، و بلغت -أي علومهم- أوجها من دون المنطق الأرسطي. فكان عملهم هذا ردا عمليا دامغا و قاطعا على بطلان دعوى المشائين بأن منطقهم هو معيار العلم و قانونه، و أنه عاصم للفكر من أخطائه. و بذلك فهم تجاوزه و أقاموا علومهم بعيدا عنه، و ليسوا في حاجة إليه أبدا.
و أما ردهم العلمي فإن بعض علماء المسلمين لم يكتفوا بالرد العملي-على قوته و أهميته-،و تصدوا له بالرد العلمي، فوجهوا له انتقادات كثيرة منذ القرن الثالث الهجري و ما بعده، كان من بينهم ابن قتيبة الدينوري، و أبو سعيد السيرافي، و أبو بكر الباقلاني، و أبو عمر بن الصلاح، و ابن تيمية، و ابن قيم الجوزية، و ابن الوزير الصنعاني، و جلال الدين السيوطي [4] . و يأتي ابن تيمية في مقدمة هؤلاء من حيث أهمية عمله العلمي الذي قام به في نقده للمنطق الأرسطي، فقد تميز بالعمق و التوسع و الأصالة و الإبداع، فجاء رده ردا علميا شرعيا عميقا صائبا جمع بين معطيات النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و قد بينت بعض الدراسات المتخصصة مدى أهمية ما
(1) أحمد ورياشي: نصوص فلسفية، المعهد التربوي الوطني، الجزائر، 2005، ص: 51.
(2) الجابري: ابن رشد، ص: 117، 175، 176. و ابن رشد: فصل المقال، مدخل الجابري، ص: 19، 42، 43.
(3) أنظر مثلا: علي سامي النشار: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار النهضة العربية، بيروت، 1984، ص: 79 و ما بهده، 92.
(4) أنظر مثلا: محمود يعقوبي: ابن تيمية و المنطق الصوري: الأصول التجريبية لنقد المنطق المشائي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص: 23 و ما بعدها، 230 و ما بعدها.