، فلم يكن في قياسهم لا تحصيل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه، و لا حاجة به إلى ما يمكن العلم به بدونه، فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما. و لكن فيه تطويل كثير متعب، فهو مع أنه لا ينفع في العلم، فيه إتعاب الاذهان، و تضييع الزمان وكثرة الهذيان )) [1] .
و الثاني هو المحقق الناقد ابن قيم الجوزية، إنه انتقد ابن رشد انتقادا لاذعا بسبب موقفه من المنطق الصوري، من دون أن يذكره باسمه عندما وصفه بأنه (( أسير منطق اليونان ) )،و خطّأه في تفسيره لقوله تعالى (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) )-سورة النحل: 125 - ، فيرى ابن القيم أن الآية ذكرت مراتب الدعوة إلى الله تعالى بحسب مراتب الخلق، فالإنسان المُحتسب القابل الذكي لا يُعاند الحق و لا يرفضه، يُدعى بطريق الحكمة. و الإنسان القابل الذي له نوع غفلة يُدعى بالموعظة الحسنة. و الإنسان المُعاند و الجاحد يُجادل بالتي هي أحسن. هذا هو الصحيح في معنى تلك الآية عند ابن القيم، و ليس كما (( يزعم أسير منطق اليونان أن الحكمة قياس البرهان و هي دعوة الخواص. و الموعظة الحسنة قياس الخطابة وهي دعوة العوام. والمجادلة بالتي هي أحسن القياس الجدلي، وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلم المقدمات ) )وهذا عند ابن القيم (( باطل و هو مبني على أصول الفلسفة، و هو مناف لأصول المسلمين و قواعد الدين من وجوه كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها ) ) [2] .
و الباحث الثالث هو محمد عاطف العراقي، إنه يرى أن ابن رشد ليس له-في مجال المنطق- أي جديد و لا إبداع له قيمة تستحق التنويه و الإشادة، فهو عندما لخّص كتاب القياس لأرسطو لم تكن له فيه (( أراء ذات شأن تضييف جديدا إلى فكر أرسطو ) ) [3] . هذه شهادة من باحث رشدي مُعاصر أمضى عقودا من حياته في دراسة الفكر الرشدي، و الدعوة إليه و الانتصار له. فهي شهادة كافية فيما قدمه ابن رشد في مجال المنطق الصوري، و هي من باب (( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا ) )-سورة يوسف: 26 - .
و الباحث الرابع هو المنطقي زكي نجيب محمود له نظرة نقدية فاحصة للمنطق الصوري تستحق التدبر و التنويه، و و هي نظرة ناقد متخصص في المنطق، فيرى أن (( نظرية القياس الأرسطية بداية قوية في بناء المنطق، أما أن تُؤخذ على أنها البداية و النهاية معا، فذلك هو موضع الخطأ عند أصحاب المنطق التقليدي. فلو تخيلنا بناء المنطق عمارة شامخة ذات عدة طوابق وجب أن لا ننظر إلى نظرية القياس الأرسطية إلا على أنها طابق من تلك الطوابق، بل هي رغم كونها طابقا واحدا من عمارة واحدة شامخة لا تخلو من عيوب و نقائص لا مندوحة من إصلاحها. فما نظرية القياس
(1) ابن تيمية: الرد على المنطقيين، ص: 248.
(2) بن قيم الجوزية: مفتاح دار السعادة، ج 2 ص: 153 - 154.
(3) عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد، ص: 88.