و الصحابة لم يعرفوه معرفة صحيحة و لا باطلة، لأن ابن رشد علق معرفته بالمنطق الصوري، و هم لم يعرفوه!!. و مقابل ذلك فإن زعمه يعني أن الفلاسفة المشائين هم الذين عرفوا الله تعالى لمعرفتهم بذلك المنطق المزعوم!!. و هذا كله ضلال مُبين، و قول على الله بلا علم، و افتراء عليه، أوصلنا إليه زعم ابن رشد و غلوه في المنطق الأرسطي العقيم.
و ذلك الزعم كما أنه لم يصح شرعا و لا تاريخا، فهو لا يصح أيضا عقلا، لأنه لا تلازم بين معرفة الله تعالى و معرفة المنطق الصوري. فبمقدور أي إنسان أن يصل إلى معرفة الله، و يعرفه معرفة صحيحة مُجملة، إذا صَدُقت نيته و اتبع العقل الفطري السليم، بواسطة التفكير العلمي الصحيح في آيات الأفاق و الأنفس، و في مختلف مظاهر الطبيعة، يصل إلى ذلك من دون أن يعود إلى المنطق الصوري، و لا توجد أية ضرورة لأن يرجع إليه. لأن العقل البديهي الفطري في الإنسان قادر على معرفة الله من دون ذلك المنطق المزعوم، قال تعالى: (( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) )-سورة العنكبوت: 61 - ، و (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) )-سورة الروم: 30 - ، و (( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) )- سورة إبراهيم: 10 - ، و (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) )-سورة الطور: 35 - ، فالعقل الفطري إذا اعتمد على العقل الصريح، و العلم الصحيح، و الفطرة السليمة، يستطيع أن يصل إلى المعرفة المجملة الصحيحة بالله تعالى، لكنه لا يصل إلى المعرفة الصحيحة المُفًصلة و المنجية من عذاب الله إلا عن طريق الشرع. فأين حكاية ابن رشد التي زعم فيها وجوب تعلم المنطق الصوري الأرسطي لمعرفة الله تعالى؟!!.
و سابعا إن تفضيله للمنطق بأن يكون هو أول ما يُتعلم، و جعله واجبا في حق المُعدين ليكونوا حكاما، هو قول باطل شرعا و واقعا، فأما شرعا فإن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- علّم المسلمين -كبارا و صغارا، عامتهم و خاصتهم- القرآن الكريم، و الأخلاق الحميدة، و أمرهم بالقراءة و الكتابة و حثهم على ذلك، من دون أية حاجة إلى منطق أرسطو، و لم يجدوا أية صعوبة في تعلم العلوم الشرعية، و قد سار السلف الأول على ذلك النهج، و وسعوا دراساتهم لتشمل مجالات أخرى من العلوم كعلم مصطلح الحديث، و السيرة النبوية، و اللغة العربية و آدابها، من دون المنطق الأرسطي. و هو -أي ابن رشد - بموقفه هذا يكون قد ارتكب خطأ شرعيا فاحشا لا عذر له فيه، هو إغفاله لسنة رسول الله في التربية و التعليم، و نحن مُطالبون شرعا بإتباع سنته. لكنه جعل السنة وراء ظهره، و أقبل على المنطق الأرسطي و جعله مقدمة لكل العلوم على طريقة سلفه من المشائين، كأبي نصر الفارابي الذي جعل المنطق هو أول ما يُتعلّم [1] .
و أما واقعا فالشواهد المادية الحية -على بطلان زعمه- كثيرة جدا لا تُعد و لا تُحصى، فنحن نرى التلاميذ في الابتدائيات يتعلمون أولا الحروف و القرآن، و الكتابة و الحساب، و الأخلاق و الرسم، ثم بعد ذلك يدرسون مواد أخرى متنوعة، كالتاريخ و الجغرافيا، و أساسيات في العلوم التطبيقية و الطبيعية، و لا يدرسون المنطق أبدا، و عندما يدرسونه في السنة الثنية ثانوي أو الثالثة ثانوي يكونون قد تعلموا علوما كثيرة بدونه، و عندما يدرسونه لم يكونوا في حاجة ضرورية إليه، و إنما يدرسونه كوحدة جافة ثقيلة ضمن مادة الفلسفة، ثم عندما يتجاوزنه سرعان ما ينسونه و يفرحون بالتخلص منه، و لا يعودون إليه في باقي حياتهم العلمية، اللهم إلا من تخصص في المنطق، مع أن كثيرا ممن تخصص في الفلسفة لا يعود إليه إلا نادرا. فلو أن المنطق الصوري ضروري و مقدمة لكل العلوم ما كانت هذه حالته و مكانته في التعليم الابتدائي و العالي. و هذا خلاف مادة النحو و القواعد مثلا، فهي مادة يبقى الإنسان في حاجة إليها طوال حياته العلمية لكي يُقوّم لسانه، و يُصحح كتاباته و يُنقيها من الأخطاء الإملائية و النحوية.
و ختاما لما ذكرناه و إثراء له أذكر هنا مواقف بعض أهل العلم مما قلناه، أولهم الشيخ تقي الدين بن تيمية، إنه انتقد ابن رشد في موقفه من البرهان الأرسطي، فقال: إنه لم يحك عن (( الفلاسفة في الإلهيات طريقة إقناعية فضلا عن طريقة برهانية. و إذا قُدّر أنه عُني بالبرهان: القياس العقلي المنطقي، فمن المعلوم أن صورة القياس لا تفيد العلم بمواده، و البرهان إنما يكون برهانه بمواده اليقينية، و إلا فصورته أمر سهل يقدر عليه عامة الناس ) ) [2] .
و انتقده أيضا في موقفه من منهج الاستدلال عند المتكلمين عندما جعلهم من أهل الجدل، و عدّ مقدماتهم- التي يحتجون بها- جدلية و ليست برهانية، و جعل نفسه و أصحابه من أهل البرهان. في حين أن حقيقة الأمر هي عكس ذلك، لأن المتكلمين يستخدمون من المقدمات البرهانية أكثر من الفلاسفة بكثير، و أرسطو (( أكثر ما بنى الأمور الإلهية على مقدمات سوفسطائية في غاية الفساد، و لولا هذا ليس موضع ذكره، لذكرتُ من كلامه في مقالة اللام، و هي آخر علومه بألفاظها، و كذلك كلامه في أثولوجيا ) ) [3] .
و يرى أيضا أن صناعة المنطق الصوري قليلة المنفعة عظيمة الحشو، و أكثر الأمور العملية لا يصح استعمال ذلك المنطق فيها [4] .و ليس فيه (( فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه بقياسهم المنطقي يمكن علمه بدون قياسهم المنطقي. و ما لا يمكن علمه بدون قياسهم لا يمكن علمه بقياسهم
(1) ابن رشد: تلخيص السياسة لأفلاطون، تعليق المحققيّن هامش ص: 168.
(2) ابن تيمية: درء التعارض، ج 10 ص: 224.
(3) ابن تيمية: الرد على المنطقيين، ص: 395.
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 26، 27.