فقط و ليس حجة، و كان عليهم أن يأتوا فيه باستقراء أو برهان [1] . و انتقاده لهم صحيح، لكنه-أي أرسطو- طالب غيره بالدليل من الاستقراء أو من البرهان الصوري، و نسي نفسه أنه هو شخصيا قال برأيهم، و بأكثر من ذلك من دون أي برهان صحيح، و لا دليل مٌقنع!. فهو قد قال بحكاية العشق و المعشوق، و العقول المفارقة، و أزلية المادة و الزمان، و النفس الكلية الأزلية، و العقل الكلي الأزلي، و قد تكلّم في كل ذلك و غيره، بالظنون و التخريفات، و الاحتمالات و الترجيحات، من دون أي برهان صحيح. فلماذا طالب غيره بالدليل و البرهان ونسي نفسه؟!.
و سادسا إنه ليس لابن رشد دليل من الشرع يُؤيد به زعمه بضرورة تعلم المنطق الصوري لمعرفة الله تعالى، لأن النصوص الشرعية شاهدة على أن الله تعالى أرسل الأنبياء إلى الناس لتعريفهم بالله تعالى و بواجباتهم تجاه خالقهم و أنفسهم، و أمروهم بالعلم و العمل، و لم يأمروهم أبدا بتعلم المنطق الصوري، و لا قالوا لهم: إن ذلك المنطق شرط لمعرفة الله تعالى. لذا فمن يزعم ذلك فهو يفتري على الشرع و التاريخ معا، لأن معرفة الله تعالى تتم بالعقل الفطري الطبيعي و لا تحتاج أبدا إلى المنطق الأرسطي المزعوم.
و لا يصح الزعم بأنه بما أن الله تعالى أمر بالنظر العقلي و حث عليه، و مدح أهله، فهو إذًا أمر بمعرفة المنطق الصوري. فهذا تعليط و تدليس، و تلاعب بالشرع، لأن النظر العقلي الذي أمرت به الشريعة هو النظر الفطري الطبيعي في الإنسان الشامل لكل طرق الاستدلال دون استثناء، و هو العقل الذي خاطبه الله تعالى بكتبه و رسله، و هو لا يستلزم أبدا الرجوع إلى المنطق الأرسطي، لكن ابن رشد يُغالط و يُدلس، و يختفي من وراء دعوى النظر العقلي الذي أمر به الشرع ليصل إلى ما خطط له مُسبقا، و هو إيجاد الشرعية للمنطق الصوري، و الدعوة إليه لنشر مذهبيته الأرسطية.
و هو بذلك الزعم الباطل يكون قد أوجب على المسلم ما لم يُوجبه الله عليه، و شرّع له ما لم يُشرّعه الله له. و هذا اعتداء عل الشريعة، و افتراء عليها، و تلاعب بها، و طعن فيها لأنه لا يُوجد فيها أمر بتعلم ذلك المنطق و لا بوجوبه، إنه فعل ذلك من أجل مذهبيته الأرسطية المتعصبة. و معنى زعمه أيضا أن الصحابة-رضي الله عنهم- لم يعرفوا الله تعالى لأنهم لم يعرفوا المنطق الصوري و لا مارسوه، و هذا زعم باطل، لأن الله تعالى شهد لهم-أي الصحابة- بالإيمان و العمل الصالح، مما يعني أنهم عرفوا الله حق معرفته من دون منطق أرسطو المزعوم.
و ذلك الزعم الباطل يستلزم الطعن في الله و رسوله و صحابته، و من سار على نهجهم إلى يوم الدين، لأنه بما أن الشرع لم يأمر بالمنطق الأرسطي، و ابن رشد جعله شرطا لمعرفة الله، فهذا يستلزم أن الله تعالى لم يذكر لنا الطريق الصحيح لمعرفته، -مع أنه أخبرنا أنه أكمل لنا ديننا -،و أن رسوله
(1) أرسطو: كتاب الطبيعة، ج 2 ص: 812، 814.