فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 232

علما بأن كل تلك الطرق الاستدلالية نسبية النتائج، فليس كل ما تصل إليه صحيح بالضرورة، و إنما فيها الصحيح و الخطأ، و المُتحكم في صحتها عوامل كثيرة، كالتأكد من صحة المادة الأولى، و حسن إخضاعها للتجربة، و صحة طريقة استنتاجها. و أما ما يُشاع من أن الطريقة الصورية الأرسطية يقينية النتيجة، فهي مُغالطة، لأن المقدمة الكبرى ليس من السهل الوصول إليها، و لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الاستقراء الجزئي، فإذا صحّ هو صحّت المقدمة الكبرى، و إذا لم يصح فهي لا تصح بالضرورة. فيقينية هذه المقدمة مبنية على صحة الاستقراء الجزئي، و ليس على الاستدلال الصوري، لمجرد أنه صوري. و عليه فإن القياس الصوري اللفظي يكون صادقا بناء على مادته، و ليس على صورته اللفظية. فإذا قلنا: كل إنسان فان، و أرسطو إنسان، فأرسطو فان، فهذا القياس صحيح بناء على صحة مادته في المقدمتين، و ليس على صورته، اللفظية. فإذا قلنا أيضا: كل من يمشي على رجلين هو من الطيور، و الإنسان يمشي على رجلين، فالإنسان من الطيور. تكون النتيجة كاذبة رغم صحة صورتها الاستدلالية القياسية اللفظية، لأن مادتها الاستقرائية الجزئية في المقدمة الكبرى ليست صحيحة على إطلاقها. و عليه فلا صدق للكليات إلا بصدق الجزئيات.

و مما يزيد ذلك تأكيدا و توضيحا أن أصحاب المنطق الصوري كأرسطو و ابن رشد هم من أكثر الناس خطأ في الإلهيات و الطبيعيات، و قد ذكرنا على ذلك عشرات الأمثلة. فلو كان منطقهم المزعوم عاصما من الخطأ، و موصلا إلى الحقيقة و البرهان بالضرورة ما وقع أهله في كثرة الأخطاء و الأوهام، و الانحرافات و المبالغات في أحكامهم من جهة، و مطالبة مُخالفيهم بالدليل و البرهان و نسيان أنفسهم من جهة أخرى. و يُوضح ذلك و يُثريه الشاهدان الآتيان: أولهما يتعلق بالسبب المؤثر في ذكورة الجنين و أنوثته، و طريقة حدوث ذلك، فذكر المحقق ابن قيم الجوزية (ت 751 ه) أن أرسطو تطرّق في كتابه الحيوان في المقالة الثامنة عشر إلى ذلك الموضوع، فكان مما قاله: (( و إذا كانت الريح شمالا كان الولد ذكرًا، و إذا كانت جنوبا كان المولود أنثى، لأن الأجساد إذا هبت الجنوب كانت رطبة ... ) ) [1] . و تفسيره هذا هو تفسير باطل، و مُضحك، و خيالي ظني لا برهان عليه و لا يقين، ومُخالف للشرع و العلم معا، لأن الثابت أن الرياح لا دخل لها في عملية الإنجاب و لا في نوع الجنين، علما بأن كلا من الرجل و المرأة يُساهمان في عملية الإنجاب، لكن مني الرجل هو السبب في نوع الجنين أذكر أم أنثى؟. فأين اليقين و البرهان و المنطق؟، و ما دخل الرياح في عملية الإنجاب و نوع الجنين؟،, فهل زعمه هذا بناه على القياس الأرسطي اليقيني المزعوم، أم بناه الظنون و التخمينات، و التفسيرات الوهمية البعيدة عن المنطق و العلم؟.

و الشاهد الثاني مفاده أن أرسطو ذكر أن بعض الفلاسفة كأنبادُقليس قالوا: إن المحبة و الغلبة هما سبب الحركة في الطبيعة. فاستحسن أرسطو رأيهم، لكنه انتقدهم بقوله: إن قولهم مُجرد إخبار

(1) ابن قيم الجوزية: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية، بيروت ج 2 ص: 154، 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت