فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 232

و يجب أن لا ننس أن الاستدلال الأرسطي-قياس الشمول- قائم في حقيقته على الاستقراء الجزئي الناقص، لأن المقدمة الكبرى لا يمكن الوصول إليها بالاستدلال الأرسطي مباشرة. فنحن من أين عرفنا أن كل إنسان فان؟، إننا لم نعرف ذلك إلا بالاستقراء الناقص من خلال استقرائنا للتاريخ و الواقع، مع أننا لم نستقرئ كل الحالات التي ستأتي مستقبلا، و منه أيضا استنتجنا المقدمة الكبرى، و حتى المقدمة الصغرى هي أيضا مأخوذة من الاستقراء الجزئي، ثم تأتي النتيجة التي هي مبنية على المقدمتين. فالاستقراء الناقص هو الأساس و ليس قياس الشمول الذي هو ثمرة للأول، و حتى الاستقراء التام هو في أساسه استقراء جزئي و ثمرة له. فالاستقراء الجزئي هو أساس التقدم العلمي و الحضاري في مختلف مجالات الحياة، و ليس الاستقراء الصوري الأرسطي، لذا أصبح من المعروف عند أهل العلم أن المنطق الصوري هو منطق شكلي تجريدي محدود للغاية، و مُعيق للتفكير العلمي الصحيح، و غير مُنتج و لا مُبدع، و لا يصلح للعلوم التطبيقية و التجريبية، الطبيعية منها و الإنسانية حسب طبيعة كل علم و خُصوصياته. و أما ذلك المنطق-أي الصوري- فلا مكان له كمنهج عملي مُنتج، و إنما أصبح يُدرس في أقسام الفلسفة و أصول الدين، كوحدة جافة ميتة من الوحدات المقررة الواجب على الطلاب دراستها، ثم سرعان ما ينسونها و كأنهم لم يدرسوها، لأنها كانت حملا ثقيلا عليهم تخلّصوا منه.

و رابعا إن حضارة اليونان و علومهم لم تكن ثمرة للمنطق الصوري الأرسطي، و إنما كان هو من ثمارها، لأن حضارتهم قامت أولا على الحضارات السابقة لها كالمصرية و البابلية [1] ، ثم على ما أبدعته حضارتهم ثانيا من علوم و اختراعات. فلما ظهر أرسطو (384 - 322 ق م) كانت حضارتهم في قمة نضجها و ازدهارها العلمي، قبل أن يكتب أرسطو منطقه، فكان هو نفسه و علمه و منطقه ثمرة لهذه الحضارة، و لم يكن ذلك ثمرة لمنطقه الصوري، فعلمه-مثلا- لم يكن ثمرة لمنطقه، و إنما منطقه هو الذي كان ثمرة لعلمه الذي وفّرته له حضارة اليونان، الأمر الذي يُثبت -بالدليل القاطع- أن ما حققته تلك الحضارة تم قبل أن يكتب أرسطو منطقه، و من ثم فإنها استغنت عنه، و لم تكن في حاجة إليه أبدا. و عليه فإن دعوى ابن رشد بأنه لا حقيقة و لا علم دون برهان أرسطو هي دعوى غير صحيحة، تاريخ اليونان و البشرية شاهدان على بطلانها.

و خامسا إن زعمه بأن المنطق الصوري هو الطريق الموصل إلى الحقيقة، عندما زعم أنه لا حقيقة دون صناعة البرهان، و لا برهان بلا صناعة البرهان-أي منطق أرسطو-، هو زعم باطل، لأن الاستدلال الصوري الأرسطي ما هو إلا طريقة من طرق الاستدلال الكثيرة التي يستخدمها العقل البشري، و بفضلها يصل إلى البرهان و اليقين و الحقيقة- إذا أحسن استخدامها-. فالعقل إذًا عنده طرق كثيرة توصله إلى الحقيقة، و ليس عنده طريقا واحدا فقط.

(1) حسن طالب: أصل الفلسفة، ط 1، عين للدراسات و البحوث، مصر، 2003، ص: 18، 130، 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت