آل عمران: 79 - ، و (( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء ) )-سورة المائدة: 44 - ، و (( مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) )-سورة نوح:13 - 14 - ، و (( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) )-سورة يوسف: 39 - ، (( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ) )- سورة مريم: 42 - .
و ثالثا إن نظرة ابن رشد للمنطق الإنساني هي نظرة حزئية ذاتية متعصبة، نظر إليه من خلال المنطق الصوري القائم على الاستدلال بقياس الشمول ذي المقدمتين و النتيجة، فتعصب لهذا الاستدلال و بالغ في تعظيمه و الانتصار له، و أهمل طرق الاستدلال الأخرى، أو حطّ من قيمتها. و الصواب هو أن المنطق البشري الطبيعي الفطري، هو منطق واسع جدا، لا يُمثل فيه القياس الأرسطي إلا جزءا صغيرا جدا منه، يصلح في مجال معين و محدود، و لا يستحق ذلك التضخيم و التهويل أبدا. لأن المنطق الطبيعي يستخدم طرق استدلال كثيرة، بطريقة سريعة و متنوعة، و متداخلة و لا تعارض بينها، لأن هذه الكثرة هي اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد أو تناقض. فالمنطق الطبيعي يستخدم طرق استدلال كثيرة، منها: الاستقراء التام و الناقص، و قياس التمثيل و قياس الشمول، و قياس الأولى و الأفضل، و قياس الأنفع و الأقل ضررا، و قياس الأشرف و الجميل و الأجمل، حتى أن علم الفيزياء الحديثة أعطى لقياس الجميل و الأجمل مكانة معتبرة في الاستدلال العلمي، فأصبح عنصر الجمال معيارا مقبولا لديها، حتى أن نظرية النسبية من خصائصها أنها جميلة جدا [1] .
علما بأن الاستدلال الصوري ليس خاصا بالمنطق الصوري الأرسطي، لأن الإنسان عرفه و مارسه منذ أن خلقه الله تعالى كطريقة من طرق الاستدلال التي يُمارسها العقل البشري أليا فطريا. و ما يزال الناس يستعملونه مع جهل غالبيتهم العظمى للمنطق الصوري الأرسطي، لأنه استدلال طبيعي يستخدمه العقل في مكانه المناسب، من دون أي حاجة أو تلازم بينه و بين معرفة المنطق الأرسطي الصناعي المُشوّه للفكر و المعيق له بقوالبه الجامدة العقيمة. لذا لا يصح أبدا أن نسمي مبادئ العقل، و طرق الاستدلال بالمنطق الصوري و ننسبه لأرسطو، لأن تلك المبادئ و الطرق هي فطرية في الإنسان تعمل آليا فيه منذ آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. و العمل الذي فعله أرسطو في المنطق الصوري لا يكفي أبدا أن ننسب إليه مبادئ العقل و قياس الشمول.
(1) روبرت أغروس، و جورج ستانسيو: العلم في منظوره الجديد، ص: 45 و ما بعدها.