فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 232

من ذلك أن الله تعالى لما خلق الإنسان زوده بالعقل و العلم، و الحواس و البيان، و أمره بعبادته و عمارة الأرض، و سخّر له ما في السموات و الأرض، لقوله تعالى: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) )- سورة البقرة: 31 - ، و (( عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) )-سورة العلق: 5 - ، (( خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) )-سورة الرحمن:3 - 4) -، و (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) )-سورة الذاريات: 56 - ، و (( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) )- سورة الجاثية: 13) -.و بما أن الأمر كذلك فإن الإنسان له قدرات كثيرة- بفضلها يستطيع أداء الأمانة التي حُمّلها -، منها القدرات العقلية، فالإنسان له عقل طبيعي فطري يتمتع بقدرات فائقة، و بطرق استدلال كثيرة، الأمر الذي يعني أنه قادر على تسخير مظاهر الطبيعة، و السير و البحث في الأرض للوصول إلى البرهان و اليقين و الحقيقة، قبل أن يكتب أرسطو عن المنطق الصوري. و هذا الذي حدث بالفعل، فقد شهد التاريخ حضارات كثيرة في الصين و الهند و مصر و العراق، قبل ظهور الحضارة اليونانية بعشرات القرون. و قد توصلت تلك الحضارات إلى علوم كثيرة و حقائق متنوعة في مختلف مجالات المعرفة، فالمصريون مثلا برعوا في الكيمياء و بفضلها حنّطوا الجثث، و أبدعوا في الهندسة و بها بنوا الأهرامات. و برعوا أيضا في الطب و كانت لهم عمليات جراحية، و صنعوا الورق و الأقلام و المداد من نبات الربدي. و أما البابليون في العراق فمن مخترعاتهم: الصبائغ و التطريز، و الموازين و المكاييل، و الحساب [1] . و معنى ذلك أن تلك الحضارات وصلت إلى علوم و حقائق كثيرة، و لا حقيقة و لا علم دون برهان و يقين، فهي قد عرفت ذلك قبل ظهور المنطق الصوري بعشرات القرون، الأمر الذي يُبت قطعا أن زعم ابن رشد بأنه لا حقيقة بلا صناعة البرهان الأرسطي هو زعم باطل ليس من البرهان و لا من العلم في شيء.

و ثانيا إن الله تعالى أخبرنا أنه أرسل أنبياء كثيرين، و أنزل معهم الكتب إلى بني آدم قبل حضارة اليونان بعشرات القرون، فعلّموهم الإلهيات و الشرائع و الأخلاق، و كثيرا من الطبيعيات عن نشأة الكون و مظاهره، و علموهم كيف يُفكرون التفكير العلمي الصحيح، و حَذّروهم من الشرك و عبادة مظاهر الطبيعة، فتكوّن على أيديهم أصحاب و أتباع من أهل العلم و الدعوة تولّوا مهمتهم من بعدهم في التربية و التعليم بالاعتماد المنطق الطبيعي الفطري المغروز في الإنسان، و لم يُعلّموهم المنطق الصوري المزعوم الذي لم يكن ظهر بعد. و النصوص الشرعية التي تُثبت ما قلته كثيرة جدا، منها قوله تعالى: (( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ -- ) )-سورة

(1) توفيق الطويل: الفلسفة في مسارها التاريخي، دار المعارف، القاهرة، د ت، ص: 31. و نور الدين حاطوم و آخرون: موجز تاريخ الحضارة، مطبعة الكمال، دمشق، 1965 ص: 131 و ما بعدها، 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت