الكذب [1] . و ليس لصناعتهم الجدلية قوة الوقوف على الحق في مسألة صفات الله تعالى، لأن طريقتهم حكمة جدلية لا برهانية. لذا فهم ليسوا أهلا للإطلاع على تأويلات أهل التأويل اليقيني البرهاني، و ينبغي عدم التصريح لهم بذلك، كما هو الحال مع الجمهور [2] .
و تعليقا عليه أقول: أولا إن ابن رشد بالغ جدا في تقزيمه للجدل و أهله من جهة، و بالغ في تعظيمه لما سماه بالبرهان و أهله من جهة أخرى. و نسي أو تناسى أن ذمه للجدل و أصحابه هو ذم لابن رشد و أصحابه أيضا، لأن فكره شاهد على أنه فكر مملوء بالجدل و السفسطة، و الأباطيل و الظنون، و الأخطاء العلمية و الانحرافات المنهجية، و ليس فيه من البرهان إلا القليل، و هذا أمر سبق إثباته و توثيقه فيما تقدم من كتابنا هذا.
و ثانيا إن ابن رشد فهم معنى الجدل في الشرع بخلفية مذهبية أرسطية مشائية، و لم يفهمه بالمعنى الشرعي للجدل، و هذا انحراف منهجي كبير و خطير، يندرج ضمن تأويله التحريفي للنصوص الشرعية المعروف به ابن رشد. لذا وجدناه استبعد المعنى الشرعي للجدل، و فهم الشرع بخلفيته الأرسطية المشائية، حتى أنه في كتابه تلخيص الجدل أهمل الجدل الشرعي، و لم أعثر له على أي اهتمام به في كتابه هذا المُخصص للجدل [3] . مع أنه كان في مقدوره أن يُخصص له مبحثا للتعريف به، و مقارنته بالجدل الأرسطي، فيُقدم لنا بذلك عملا مفيدا للقراء، و يُدخل البديل الإسلامي في مؤلفاته الفلسفية المشائية. لكنه لم يفعل ذلك مع وضوح الأمر و بديهيته!!، و كأنه كان حريصا على أن لا يُدخل البديل الإسلامي في مصنفاته الفلسفية. و هذه الظاهرة أشرنا إليها مرارا بأن ابن رشد لم يستخدم الشرع لنقد الفلسفة و أسلمتها، و لم يحمله بديلا لها. لكنه كان حريصا على تأويل الشرع و أرسطته ليكون في خدمة الأرسطية!.
علما بأن الإسلام قد اهتم بالجدل اهتماما بالغا، و وضعه في مكانه المناسب له، من ذلك قوله تعالى: (( وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) )-سورة النحل: 125 - ، و (( قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) )-سورة هود: 32 - ،و (( وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ) )-سورة الكهف: 54 - ، و (( وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) )-سورة الزخرف: 58 - ، و (( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) )-سورة العنكبوت: 46 - ، و (( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
(1) ابن رشد: تلخيص كتاب الجدل، حققه تشالز بتروث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979، ص: 359. و تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 5، 6.
(2) ابن رشد: الكشف، ص: 135، 136. و فصل المقال، ص: 118، 119.
(3) أنظر كتابه تلخيص كتاب الجدل لأرسطو.