بَصِيرٌ )) -سورة المجادلة: 1 - . واضح من ذلك أن الجدل هو مقابلة الحجة بالحجة، و هو على نوعين: جدل محمود ممدوح، هدفه إظهار الحق و الانتصار له. و الثاني جدل مذموم هدفه طلب الباطل و الغلبة [1] . فالجدل في الشرع ليس ممدوحا كله، و لا مذموما كله، و إنما هو حسب خلفيات أصحابه و غاياتهم، فهو قد يكون طريقا إلى الحق و الهداية، و قد يكون طريقا للباطل و الغواية. النوع الأول هو الذي مارسه الأنبياء-عليهم السلام- و أتباعهم، و الثاني مارسه الكفار و أهل الضلال. فالجدل وسيلة تُستخدم للحق و للباطل، لكن ابن رشد أغفل المفهوم الشرعي للجدل و ذم الجدل مُطلقا و أزدرى به و بأهله، و لم يضعه في مكانه الصحيح الذي وضعه الشرع فيه، و استبعده من فهمه، و أخضعه للمفهوم الأرسي المشائي.
و أما زعمه بأن الجدل لا يُوصل إلى البرهان و الحق و اليقين، فهو زعم باطل، أوقعه فيه مفهومه الأرسطي لمعنى الجدل. و إلا فإن الجدل بمعناه الشرعي و اللغوي فهو وسيلة يُمكنها أن تُوصل صاحبها إلى البرهان و الحق و اليقين، و يُمكنها أيضا أن تُوصله إلى الضلال و الخرافات و الأباطيل. و لو لم يكن الجدل يُمكن أن يُوصل إلى الحق و اليقين ما أمر الله بها أنبياءه باستخدام الجدل الحسن في دعوتهم إلى الله تعالى. و الجدل في حقيقته وسيلة حيادية، و ليس كما عرّفه الفلاسفة المشاؤون، فهو يمكنه أن يحمل الحقائق و البراهين و الأهداف السامية، و يمكنه أن يحمل الخرافات و المغالطات، و الأهداف الخبيثة و الجهنمية.
و أما بالنسبة لموقفه من الاستقراء، فإنه يرى أن الاستقراء من الجدل، و هو مُفيد للتصديق الجدلي، و هو أقل أهمية من القياس الأرسطي، لأنه أوثق منه و أشرف، و إن كان الاستقراء أظهر منه إقناعا، لأنه يستند إلى المحسوس. لذا فهو أنفع مع الجمهور، و أسهل معاندة، خلاف القياس الذي هو (( أقل نفعا و بخاصة عند الجمهور، و أصعب معاندة، لذلك كان استعماله أنفع مع المرتاضيين في هذه الصناعة ) ) [2] . و محصلة موقفه هو أن الاستقراء منطق الجمهور، و القياس الأرسطي منطق الخواص، و هم أهل اليقين و البرهان من الراسخين في العلم حسب زعمه.
و أقول: أولا إنه من الواضح أن كل استدلال له مجاله الذي ينفع فيه، و يصعب تعويضه باستدلال آخر، و قد لا يمكن تعويضه أصلا. لذا فإن الاستقراء يتفوّق علي المنطق الصوري في مجال الدراسات و البحوث التجريبية الطبيعية منها و الإنسانية، و عليه فلا يصح ما زعمه ابن رشد من أن الاستقراء خاص بالجدليين و الجمهور، فهذا ازدراء لا مبرر له إلا التعصب للمنطق الصوري، و قلة معرفة بأهمية الاستقراء، و إلا فإن الواقع يشهد بأن الاستقراء حقق انتصارات باهرة في مختلف مجلات العلوم، في حين ما يزال المنطق الصوري مهجورا قابعا في زاوية النسيان في الغالب الأعم.
(1) ابن الأثير: النهاية في غريب الأثر، ج 1 ص: 707.
(2) ابن رشد: تلخيص السفسطة، ص: 14. و تلخيص الجدل، ص: 48.