فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 232

فالاستقراء ليس خاصا بالجمهور و الجدليين كما ادعى ابن رشد، و إنما هو خاص بالعلوم الطبيعية و التطبيقية، و له مكانة مرموقة عند علماء العصر، فاهتموا به و أفردوه بالتأليف شرحا و تقعيدا و تطويرا و انتقادا. و ابن رشد غاب عنه أن الازدراء بالاستقراء و الحط من مكانته هو في النهاية ازدراء أيضا بالقياس الأرسطي و طعن فيه، و حط من قيمته، لأنه لا قياس شمول دون استقراء، و هذا أمر سبق بيانه.

و ثانيا إن ابن رشد-كعادته- أهمل مكانة الاستقراء في الشرع، فلم أعثر له على أي اهتمام بالاستقراء في الشريعة الإسلامية -و هو من علمائها- مع أنها أولته أهمية كبيرة، فأرشدت إليه وحثت عليه في نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: (( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )- سورة العنكبوت: 20 - ، فهذه دعوة إلى استخدام الاستقراء لدراسة التاريخ الطبيعي للعالم، و هذا لا يتم إلا بالاستقراء التجريبي القائم على الملاحظة و البحث و التجريب ... . و منها أيضا قوله تعالى: (( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ) )-سورة آل عمران: 137 - ، و هذه أيضا دعوة إلى استخدام الاستقراء لدراسة تاريخ البشرية بواسطة الآثار التي تركها الإنسان عبر تاريخه الطويل، لمعرفة أحوال الأقوام المكذبين و مصائرهم.

و أما موقفه من قياس التمثيل -القياس الفقهي- فعرّفه بأنه قياس يتم من جزء واحد إلى جزئي واحد، أو من جزئيات كثيرة إلى جزئي واحد. و هو قياس ظني خاص بالخطابة، و مُفيد للتصديق البلاغي. لذا كان قياس الفقيه ظنيا، و قياس الفيلسوف قياسا يقينيا. علما بأن كلا من القياسيّن أوجبهما الشرع عندما أوجب النظرين الفقهي و العقلي [1] .

و أقول: أولا ليس صحيحا أن قياس الفقيه ظني و قياس الفيلسوف يقيني، لأنه لا توجد طريقة من طرق الاستلال صحيحة مطلقا، فهي كلها نسبية حسب المادة التي تحملها و الكيفية التي ... تعرض بها. و عليه فإنه بما أن القياس الأرسطي يقوم على الاستقراء، فهو لا يصح إلا إذا صحّ الاستقراء، فيكون بذلك يقينيا، فإذا لم يصح فلا يكون يقينيا. و كذلك الحال مع قياس التمثيل، فإذا كان قياسا جليا صحيحا واضح العلة، فهو قياس فقهي يقيني صحيح. كقولنا: إذا كان الخمر حرام لأنه مُسكّر و مُذهِب للعقل و الأموال، فإن المخدرات -التي لا يُوجد فيها نص صريح بتحريمها- هي أيضا حرام لأنها مُسكّرة و مذهبة للعقل و الأموال. و أما إذا كان القياس الفقهي قياسا مُشتبها و علته غير واضحة، فهو قياس ظني يقوم على الترجيح و الاحتمال، الأمر الذي يعني أن العيب ليس في قياس التمثيل نفسه، و إنما في الحالة التي يكون فيها ظنيا بناء على علته و مادته العلمية. و هذا ليس خاصا بقياس التمثيل وحده، و إنما هو يشمل كل طرق الاستدلال الأخرى.

(1) ابن رشد: تلخيص كتاب الجدل، ص: 48. و تلخيص السفسطة، ص: 14. و فصل المقال، ص: 90، 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت