علما بأن تقزيم ابن رشد لقياس التمثيل هو في الحقيقة تقزيم أيضا لقياس الشمول أيضا، الذي يقوم في أساسه على الاستقراء، الذي هو بدوره أيضا يعتمد على التماثل أثناء البحث عن وحداته و التعرّف عليها و تصنيفها. و بذلك يكون قياس التمثيل من مكونان الاستقراء الأساسية، و من ثم من مكونات المقدمة الكبرى في القياس الأرسطي. و حتى المقدمة الصغرى هي أيضا تقوم على قياس التمثيل، فعندما نقول: كل إنسان فان، و ابن رشد إنسان، نكون قد استخدمنا قياس التمثيل في العلاقة بين المقدمتين، و إلا ما استطعنا إلحاق ابن رشد بمادة المقدمة الصغرى.
و حتى نتيجة المقدمتين هي أيضا تقوم على التماثل، فعندما نقول: كل إنسان فان، و ابن رشد إنسان، فابن رشد فان، فإننا نكون قد اعتمدنا على التماثل بين بني آدم و فناء فرد منهم، و هو فناء ابن رشد. الأمر الذي يعني أن ازدراء ابن رشد بقياس التمثيل و تقزيمه له، و تعظيمه للقياس الأرسطي و مبالغته فيه، هو موقف غير صحيح، سببه تعصبه لمذهبيته الأرسطية، و إلا فإن ابن رشد-بحكم أنه فقيه و قاض- لا يجهل القياس الفقهي بأنه ليس في درجة واحدة من حيث القوة و الضعف، و الصحة و الخطأ، و اليقين و الظن.
و ثانيا إن قوله بأن الشرع كما أوجب النظر الفقهي، فهو أوجب النظر العقلي أيضا، فهو قول حق أُريد به باطل، و ينطوي على تغليط للقراء. لأن الحقيقة هي أن الشرع أمر بالنظر العقلي مُطلقا، و حث على استخدامه في التأمل و التدبر في القرآن الكريم، و في النفس و المجتمع، و التاريخ و العالم بأسره، و هذه حقيقة شرعية ثابتة تشهد لها نُصوص كثيرة، كقوله تعالى (( يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ ) )-سورة النور: 44 - ، و (( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ) )-سورة آل عمران: 190 - ، و (( وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) )-سورة الذاريات: 21 - ، و (( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) )-سورة النساء: 82 - ، و (( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )- سورة العنكبوت: 20 - . و بذلك يكون النظر الفقهي جزءا لا يتجزأ من النظر الشرعي العام، الذي تندرج فيه أيضا كل طرق الاستدلال العلمي دون استثناء. لكن ابن رشد واضح بأنه يقصد بالنظر العقلي القياس الأرسطي تحديدا، لأنه سبق أن بينا أنه ازدري بالاستقراء و الجدل و قياس التمثيل، و رفع من شأن القياس الأرسطي و بالغ في تعظيمه، و فضّله على كل طرق الاستدلال الأخرى. و موقفه هذا غير صحيح، لأن المنطق الصوري لا يمثل إلا جزءا صغيرا جدا، من النظر العقلي الكلي الذي أمر به الشرع الحنيف، و هذا الجزء الصغير يستخدمه العقل الفطري آليا، من دون العودة إلى قوالب القياس الأرسطي، الأمر الذي يُثبت أن زعم ابن رشد وجوب معرفة المنطق الأرسطي - بناء على إيجاب الشرع للنظرين الفقهي و العقلي - هو زعم باطل، و إيجاب على المسلمين ما لم يُوجبه الله تعالى عليهم!.
و ثالثا إن ابن رشد نفسه -مع ازدرائه بقياس التمثيل- فإنه قد استخدمه ليس في الفقه فقط، و إنما استخدمه أيضا حتى في طبيعيات أرسطو. فمن ذلك إنه عندما تكلم عن تحلل الأغذية في جسم الحيوان و اختلاطها بالرطوبة و الحرارة، فتصير لحما وعظما، فإنه قال: (( و كذلك يشبه أن يكون الأمر في النبات و في كل نامٍ ) ) [1] . فهذا قياس تمثيل واضح، استخدمه ابن رشد بطريقة ظنية أوصلته إلى نتيجة عامة لا يمكن التأكد منها إلا بالاستقراء.
و المثال الثاني مفاده أن ابن رشد عندما أخذ برأي أرسطو في أن المرأة لا دخل لها في تكوّن الجنين و أن مني الرجل هو المُكوّن له وحده، أيده بملاحظاته أثناء ممارسته للطب، فقال: (( و أما أنا فمذ سمعت كلام أرسطو لم أزل أتعمد جس ذلك، فوجدتُ التجربة صحيحة، و الفيتُ أكثر الحمل الذي بهذه الصفة إنما يكون بالذكورة، و سألت النساء عن ذلك، فأخبرتني أيضا بذلك. أعني أنهن كثيرا ما يحملن دون أن تكون منهن لذة ) ). وبهذه الملاحظة استدل ابن رشد على صحة رأي أرسطو من أن مني الرجل هو المُكوّن الوحيد للجنين [2] . و نحن هنا لا يهمنا خطأ ابن رشد فيما ذهب إليه، و مُخالفته للشرع و العقل معا، فهذا أمر سبق بيانه في الفصل الثالث، لكن الذي يهمنا هنا هو أن الرجل استخدم قياس التمثيل، و لم يعتمد على التجربة الصحيحة الحقيقية المُشاهدة، و إنما قاس حالة المرأة بما يحدث عند الرجل، فاعتقد أنه بما أن الرجل لا ينزل منه المني إلا بشهوة عند جِماعة لأهله، فكذلك الحال عند المرأة، فلا ينزل ماؤها -لكي يختلط بمني الرجل- إلا بالشهوة أيضا. و بما أنه ذكر أنه تأكد من النساء اللوتي سألهن بأنهن كثيرا ما يحملن دون لذة، فهذا دليل على عدم نزول مائها. و من ثم فلا دور لها في تكوّن الجنين، و إنما يُكوّنه مني الرجل وحده.
فهذا قياس تمثيلي ظني، أقامه ابن رشد على ملاحظة ظاهرية ناقصة، فأخطأ فيه، لأنه إذا كان نزول مني الرجل مُرتبط بالشهوة، فليس الأمر كذلك بالنسبة لبويضة المرأة، التي لا علاقة لها باللذة الجنسية عند المرأة، و إنما هي مرتبطة بالدورة الشهرية عند المرأة، التي هي-أي البويضة- عادة ما تنزل في أواسط الدورة من كل شهر، سواء كانت المرأة متزوجة أم لا، و سواء حدث خلالها جماع أم لم يحدث، و سواء ذاقت المرأة لذة الجماع أم لم تذقها.
و المثال الثالث من قياس التمثيل مارسه أرسطو- الذي يتبعه ابن رشد و ينتصر له-، و مفاده أن أرسطو قال: إن للنعامة ظلفين كالحيوان الذي له (( أربع أرجل، لأن ليست له أصابع بل أظلاف، و عِلة ذلك من قِبل أن عَظَم جسده لا يُشبه عظم طير، بل يُشبه عَظَم حيوان له أربع أرجل ) ) [3] .
(1) ابن رشد: جوامع الكون و الفساد، ص: 13.
(2) الجابري: ابن رشد، ص: 235 - 236.
(3) أرسطو: كتاب طبائع الحيوان، ص: 193.