فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 232

و قوله بناه على قياس التمثيل بين عظم النعامة و جسدها، و بين عظم الحيوان و جسده الذي يمشي على أربع أرجل و له أظلاف. لكنه أخطأ في هذا القياس، لأن النعامة لها أصبعان في كل رجل، و ليس لها ظلفان كما زعم أرسطو، و قد سبق أن بينا ذلك و أثبتناه. فقياسه هذا هو قياس ظني ناقص غير صحيح، و لو بناه على أساس رجل النعامة و ليس على عظم جسده، لكان قياسه صحيحا، و ذلك أن النعامة لها رجلان و ليس لها أربع أرجل، و بما أنها طائر كبير ضخم الجثة قوي البنية، فهذا لا يتناسب مع وجود أظلاف في رجليها، لأن وزنها الكبير يتناسب مع وجود أصابع قوية في رجليها ذات أظفار قوية متينة، و وسادة مبطنة تحت القدم، لكي يتمكن الرجلان من حمل جسدها الكبير. و هذا خلاف الحيوانات الضخمة التي لها أربع أرجل، فهي لا تحتاج إلى أصابع، و إنما عندها أظلاف، لأن أرجلها الأربع كافية لحملها، فهذا هو الذي غاب عن أرسطو.

و كان في مقدوره أيضا أن يستخدم قياس التمثيل بطريقة أخرى توصله إلى نتيجة صحيحة بالاعتماد على الفصيلة التي تنتمي إليها النعامة. و ذلك بما أن النعامة تنتمي إلى فصيلة الطيور، و هي -أي الطيور- تمشي على رجلين و لها أصابع، فالنعامة هي أيضا مثلها لها أصابع. فلو استخدم هذا القياس لكانت نتيجته صحيحة، لكنه اعتمد على جانب ليس حاسما في الفصل بين النعامة و الحيوان الذي يمشي على أربع أرجل. لكن الذي يهمنا هنا هو أن الرجلين-أرسطو و ابن رشد- استخدما قياس التمثيل مع ازدراؤهما به، و وصفه بأنه ظني خاص بالخطابة و مُفيد للتصديق البلاغي، فأين برهان و يقين أهل البرهان و اليقين؟!.

و قبل إنهائنا لهذا المبحث أُشير هنا إلى خصائص عامة تميز بها منهج الاستدلال عند ابن رشد، منها إنه منهج أرسطي قلبا وقالبا، على أساسه زعم أن طرق التصديق في الشريعة ثلاثة أنواع مذكورة في قوله تعالى: (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) )-سورة النحل: 125 - ، وهي: الخطابية للجمهور، و الجدلية للمتكلمين، و البرهانية للفلاسفة [1] .و فهمه هذا لا يستقيم مع تلك الآية، و لا مع نصوص الشرع الأخرى، لأن تلك الآية نصت صراحة على مراتب الدعوة إلى الله تعالى حسب أصناف الناس، و طريقة التعامل معهم، و ليست خاصة بطرق التصديق و الاستدلال، التي هي كثيرة جدا في القرآن الكريم و السنة النبوية، و لا تنحصر أبدا في ثلاثة أنواع فقط، على ما ادعاه ابن رشد؛ فهي أكثر من ذلك بكثير، منها استدلال الله تعالى على وجوده و صفاته و حكمته، بخلقه للكون عامة و للإنسان خاصة، و بإظهار بديع صنعته و جميل كرمه، كقوله تعالى: (( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء و الأرض ) )-سورة فاطر/3 - ، و (( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ) )-سورة النازعات /27 - ، و (( قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يُعيده ) )-سورة

(1) ابن رشد: فصل المقال، ص: 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت