و بذلك يتبين أن دعوى ابن رشد مُطابقة الشريعة للفلسفة، و الفلسفة للشريعة، هي دعوى لا تصح، و هذا هو الأصل في العلاقة بينهما. و حتى إذا تطابقت الفلسفة مع الشريعة في بعض الجوانب الفرعية، فهو تطابق جزئي أساسه التوافق بين حقائق الشريعة و ما صحّ من الفلسفة في الأمور المتعلقة بالإلهيات و الطبيعيات و الأخلاقيات و المنطقيات. و قولنا هذا يصدق على الفلسفات التي لا تقوم على الشرع في أصولها و فروعها، و أما إذا وُجدت فلسفة قامت على شريعة الإسلام قلبا و قالبا، فهي فلسفة موافقة للشرع لكنها لا تساويه، ولا تزاحمه، و لا تتقدم عليه. و أما التوافق الذي زعمه ابن رشد بين شريعة الإسلام و فلسفة أرسطو فهو توافق باطل، لذا كانت معظم جوانب الشريعة لا تتفق مع تلك الفلسفة في مجال التوحيد و العقائد، و العبادات و المفاهيم. و قد سبق أن ذكرنا عشرات الأمثلة من عدم التوافق بينهما في الإلهيات و الطبيعيات و طرق الاستدلال. علما بأنه يُوجد تطابق تام و ضروري بين الشريعة و بين قوانين العالم و حقائقه، لأن مصدرهما واحد هو الله تعالى. لكن ذلك التطابق الضروري لا يُوجد بين الفلسفة و الشريعة، و لا بين الفلسفة و قوانين العالم و حقائقه، لأن مصدر الفلسفة الإنسان، و هو مخلوق ناقص نسبي تحتمل أعماله الخطأ و الصواب معا.
و أما قوله بأن الشريعة أمرت بالحمكة، فهو قول لا يصح على إطلاقه، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن الشريعة أمرت بالعلم و الحكمة، و التدبر في مظاهر الطبيعة و تسخيرها لخدمة الإنسان، و أمرت بكل ما ينفع الإنسان في دينه و دنياه، لكن لا يصح القول بأنها أمرت بالفلسفة بالباطلة كالأرسطية، و إنما أمرت بقبول الحق القليل الذي فيها، و تجنب أباطيلها و ضلالاتها، و خرافاتها و أخطائها. فالشريعة هي الأصل و المرجع و المنطلق في كل مظاهر الحياة.
و بناء على ذلك فإن زعم ابن رشد بأن من يُخالفه فيما ذهب إليه فهو لم يُحط علما بالفلسفة و لا بالشريعة، فهو زعم باطل لا يصمد أمام النقاش العلمي الصحيح القائم على النقل الصحيح و العقل الصريح. و رأيه هو الذي يدل على أن صاحبه لم يُحط علما بالشريعة و لا الفلسفة الأرسطية، أو أنه لم يُرد قول الحقيقة خدمة لمذهبيته الفلسفية. ... .
و من آرائه أيضا أنه -أي ابن رشد- يرى أن الشريعة بما أنها حق و (( داعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يُؤدي النظر البرهاني إلى مُخالفة ما ورد به الشرع. فإن الحق لا يُضاد الحق بل يُوافقه و يشهد له ) ) [1] . و معنى قوله هذا: أنه بما أن الشريعة حق، و النظر البرهاني الأرسطي حق، و لا يُخالف الحق الذي في الشريعة، فإن الفلسفة الأرسطية حق، و لا تُضاد الشريعة التي هي حق أيضا.
(1) ابن رشد: فصل المقال، ص: 96.