يعتقد ابن رشد أن الشرع أمر بالحكمة-أي الفلسفة - و هي مُطابقة له، و أصول الشريعة إذا (( تُؤملت وُجدت أشد مُطابقة للحكمة مما أُوّل فيها. و كذلك الرأي الذي ظُن في الحكمة أنه مُخالف للشريعة يعرف أن السبب في ذلك أنه لم يُحط علما بالحكمة و لا بالشريعة ) ) [1] . و قوله هذا غير صحيح في معظمه، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأنه أولا أن التأمل الدقيق و الصحيح في الشريعة و الفلسفة -و هي الأرسطية في اعتقاد ابن رشد- يُثبت عكس ما قاله ابن رشد، لأنه بما أن معنى التطابق في اللغة العربية هو التوافق و التساوي [2] ، فإن القول بمطابقة الفلسفة للشريعة و العكس، هو قول لا يصح مُطلقا من حيث المصدر و القداسة، و القيمة و المكانة، و الصحة و الصدق، و الغاية و الصلاحية- زمانا و مكانا -. فبخُصوص المصدر فإن شريعة الإسلام هي من عند الله، و أما الفلسفة فمصدرها الإنسان، و شتان بين المصدرين!،و الله تعالى يقول: (( صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ) )-سورة البقرة: 138 - ، فهناك فرق كبير جدا بين صبغة الله و صبغة الإنسان!!.
و أما من حيث القداسة و القيمة و المكانة، فإن شريعة الله تعالى مُقدسة قداسة مُطلقة، و لها مكانة لا تبلغها شريعة أخرى، قال تعالى: (( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) )- سورة الحشر: 21 - ، و (( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) )-سورة صـ: 29 - . و أما الفلسفة فهي فكر بشري ناقص، لا قداسة له و لا عصمة، و لا يمكنه أن يصل مكانة الشريعة أبدا.
و أما من حيث الصحة، فشريعة الله مُطلقة الصحة و الصدق، و هي كلها حق و نور، برهان و بيان. و أما الفلسفة فهي نسبية الصحة و الصدق، فيها الحقائق و البراهين، كما فيها الخرافات و الأباطيل، و هذا أمر سبق أن بيناه بالنسبة للفلسفة الأرسطية التي يُؤمن بها ابن رشد و يقدسها و يعتقد فيها العصمة.
و أما من حيث الصلاحية، فإن الشرع الحكيم هو آخر الرسالات صالح لكل زمان و مكان إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. و أما الفلسفة فهي عمل بشري نسبي محدود لا يمكنه أن يتجاوز حدود زمانه و مكانه في معظم الأحيان. و هذا حال المذاهب الفكرية القديمة منها و الحديثة.
و أما من حيث الغاية فشريعة الإسلام تقوم على غاية أساسية واحدة هي تعبيد البشر لله تعالى، فمن آمن بدين الله تعالى و التزم به فقد فاز في الدنيا و الآخرة، و من كفر به فقد ضل ضلالا مبينا و مأواه جهنم و بئس المصير. و أما الفلسفة فغايتها دنيوية [3] تحاول إسعاد الإنسان في دنياه، و لا عبادة فيها و لا قيامة.
(1) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 153.
(2) علي بن هادية: القاموس الجديد، ص: 197.
(3) هذا لا يصدق على الفلسفة التي تقوم على دين الإسلام قلبا و قالبا.