بشريعة الإسلام، و يكون فيلسوفا أرسطيا يأخذ بإلهيات الأرسطية و طبيعياتها و منطقها على حساب إلهيات الشرع و طبيعياته و منطقياته؟!، إن هذا لا يُعقل شرعا و لا عقلا، و هو التناقض بعينيه!!.
و الحقيقة عند ابن رشد هي واحدة في باطنه، و في كتبه الفلسفية الخاصة، لكنها متعددة في خطابه العام، و في كتبه العامة الموجهة للجمهور. و هذا الذي يجب أن نركز عليه و نبرزه لنعرف ابن رشد على حقيقته المزدوجة الخطاب الظاهري.
و أما قوله الثاني فمفاده أن ابن رشد قال بالحقيقة الواحدة، و لم يكن متأثرا في ذلك بالأفلاطونية الحديثة، و لا بإخوان الصفا، و لا بغيرهما من المؤثرات، و إنما (( كان اعتماده في المقام الأول على الأصول الإسلامية الكامنة في عقل ابن رشد و كيانه الديني و الفلسفي، و هذا أمر ينضح تمام الوضوح في كتابه فصل المقال، و الكشف عن مناهج الأدلة ... ) ) [1] .
و أقول: إن ما ذكره الباحث حمدي زقزوق، فيه حق و باطل، و لا يصح في معظمه، لأن ابن رشد انطلق أساسا من الفلسفة المشائية في مواقفه الفكرية الفلسفية، و لم ينطلق أساسا من الشريعة، فأخذ بالتأويل الكلامي و الفلسفي، و أخذ بالأرسطية في قوله بأزلية العالم، و موقفه من المعاد الأخروي، و الصفات الإلهية [2] .
و أما الكتابان اللذان ذكرهما، فهما لا يكفيان لمعرفة حقيقة فكر ابن رشد، فلابد من الإطلاع على كل كتبه للتعرف على حقيقة فكره. و هما كتابان ضما خليطا من المتناقضات، فأظهر فيهما القول بتعدد الحقيقة، و بوحدتها أيضا. و أظهر فيهما حرصه على الشريعة و على الفلسفة أيضا. و انتصر فيهما للشرع و للفلسفة معا. و ادعى فيهما أن في الشرع ظواهر متعارضة يجب تأويلها انتصارا للفلسفة الأرسطية المشائية [3] . فهل من هذا حاله يُقال أنه اعتمد في فكره على الأصول الإسلامية بالدرجة الأولى؟، أليس العكس هو الصحيح؟.
و أما قوله الأخير - و هو الثالث- فمفاده أن ابن رشد لم يقل بالحقيقتين، و أنه بريء من القول بذلك، و بريء من دعوى التناقض بين الحقيقتين الدينية و الفلسفية [4] . فهل قوله هذا صحيح؟. ليس صحيحا، لأن الحقيقة هي أن ابن رشد أظهر فعلا القول بتعدد الحقيقة، فقال بصحة كل الشرائع على تنوعها و اختلافاتها و تناقضاتها!!.و أظهر القول بالحقيقتين الشرعية و الفلسفية، و هذا أمر سبق أن بيناه و وثقناه. و هو ليس بريئا من دعوى التناقض، فهو غارق فيه و من ضروريات ازدواجية خطابه، فالتناقض جزء أساسي من فكره و فلسفته المشائية.
(1) محمود حمدي زقزوق: الدين و الفلسفة و التنوير، دار المعارف، القاهرة، دت، ص: 57.
(2) سنوثق كل ذلك في المواضع المناسبة من الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.
(3) ما ذكرناه سبق توثيقه.
(4) حمدي زقزوق: المرجع السابق، ص: 9، 74.