فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 232

و بذلك يتبين أن الرجل قال بوحدة الحقيقة و تعددها، و بمعنى آخر أنه أظهر القول بتعدد الحقيقة و وحدتها. فهو متناقض مع نفسه، مع أن القول بذلك لا يصح شرعا و لا عقلا، فأما شرعا فإن الله تعالى يقول: (( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) )-سورة يونس: 32 - و أما عقلا فلا يصح فيه تصوّر حقيقة متعددة، فهي واحدة و إن تعددت زوايا النظر و طرق الوصول إليها. فلا يصح أن نُخلط بين الحقيقة ذاتها، و بين طرق الوصول و زوايا النظر إليها.

فما حقيقة موقف الرجل من هذه المسألة؟، نعم إن أقواله الظاهرة متناقضة، و قد تعمد إظهارها، لكن حقيقته الداخلية أنه لم يكن يُؤمن بتعدد الحقيقة، و إنما كان يُؤمن بوحدتها المتمثلة في الفلسفة الأرسطية التي بالغ في تعظيمها و الغلو فيها، و تأويل الشرع من أجلها، و هذا أمر صرّح به علانية. لكنه-يبدو لي- أنه أظهر القول بتعددها ليجد مسلكا في تعامله مع خصومه المنكرين عليه اشتغاله بالفلسفة من جهة، و يتخذ لنفسه موقفا في تعامله مع الشريعة من جهة ثانية. و يبقى متمسكا بمذهبيته الأرسطية من جهة ثالثة.

و بذلك يتبين جليا أن وحدة الحقيقة التي قال بها ابن رشد هي (( الحقيقة ) )التي قالت بها الفلسفة الأرسطية المشائية، و ليست الحقيقة التي نص عليها دين الإسلام، علما بأن الحقيقة لا يمكن أن تتعدد أبدا، و موقفه هذا باطل شرعا و عقلا. لأن الشرع يفرض عليه-كمسلم- أن يلتزم به قلبا و قالبا، فكرا و سلوكا، و لا يسمح له أبدا أن يتخذ غيره مصدرا للفكر و العقائد و الأخلاق و المعاملات، لقوله تعالى: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) )-سورة الأنعام: 153 - ، و (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) )-سورة النساء: 65 - .

و أما عقلا فإن العقل البديهي الصريح الموضوعي مع نفسه، لا يقبل من صاحبه أن يعتقد بدين، ثم يتركه وراء ظهره و يتبنى أفكارا و مذاهب تزاحمه، أو تتقدم عليه، أو تخالفه. و هذا هو حال ابن رشد مع دينه و فلسفته الأرسطية!!.

و إكمالا لما أوردناه أذكر هنا مواقف بعض أهل العلم من الحقيقة عند ابن رشد، أولهم الشيخ تقي الدين بن تيمية، ذكر أن ابن رشد جعل الجمهور يعتقدون الباطل الذي هو خلاف الحق، الذي عليهم أن يحملوه. و أما أهل التأويل فلهم الحق الذي هو خلاف ذلك الظاهر [1] . و قوله هذا صريح في أنه كان يرى أن ابن رشد يقول بوحدة الحقيقة الفلسفية الأرسطية المخالفة للشرع الذي يجب تأويله ليتفق معها.

و الثاني هي الباحثة زينب محمد الخضيري، فإنها ترى أن ابن رشد تمسك دائما بفكرة الحقيقة بين الفلسفة و الشرع. بمعنى أنه توجد حقيقة واحدة دائما، و إن كان لها تعبيران: فلسفي و ديني، و كأنهما وجهان لعملة واحدة [2] .

نعم إنه قال بوحدة الحقيقة، لكنه أظهر القول أيضا بتعددها، فالرجل كان مزدوج الخطاب في موقفه من الحقيقة، فهو و إن كان يعتقد في باطنه بوحدتها المتمثلة في الفلسفة اليونانية أساسا، فإنه ظل يُظهر أيضا القول بتعددها. و لم يقل بأن للحقيقة تعبيران: فلسفي و ديني، و إنما قال بأن للحقيقة مضمونان متعددان: شرعي و فلسفي، و المضمون الفلسفي هو الحق و الأصل، فإذا تعارض المضمون الشرعي مع الفلسفة الأرسطية أُوّل ليتفق معها، و إذا لم يتعارض معها فهما حقيقتان يُعبران عن حقيقة واحدة منطلقها الفلسفة الأرسطية أولا.

و الباحث الثالث هو محمد عاطف العراقي، فإنه يرى أن ابن رشد قال بالحقيقتين ذات الوجهين [3] . و الصواب أن ابن رشد لم يقل بذلك و إنما أظهر القول بتعدد الحقيقة استجابة للظروف النفسية و الخارجية التي كان يعيش فيها. و قال بوحدتها انطلاقا من إيمانه بالفلسفة الأرسطية التي ملكت عليه عقله و قلبه، فما وافقها قبله، و ما خالفها رفضه، و ما تعارض منها مع الشرع أوّله، أو أغفله و سكت عنه.

و الباحث الرابع هو محمود حمدي زقزوق، نذكر له ثلاثة أقوال، أولها قال فيه: (( و معنى ذلك فإن ابن رشد الفقيه لا يُناقض ابن رشد الفيلسوف، فالحقيقة عنده واحدة و إن كانت لها وجوه عديدة ) ) [4] .

و أقول: يجب أن لا يغيب عنا أن ابن رشد كان يُفرق بين العلميات و العمليات في الشريعة، فكان يُؤوّل العلميات كتأويله للصفات لتتفق مع الأرسطية، و لا يُؤوّل العمليات من عبادات و معاملات [5] . مما يعني أن ابن رشد كان فعلا متناقضا مع نفسه، بين ابن رشد الفقيه، و بين ابن رشد الفيلسوف، ففي العمليات كان فقيها مالكيا، و في العلميات كان فيلسوفا أرسطيا، يأخذ بالأرسطية و إن خالفت الشريعة، و في هذه الحالة، إما أن يُؤوّل الشرع ليتفق معها، أو يُغفله و يسكت عنه. و من ثم يصدق عليه قوله تعالى: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) )- سورة البقرة / 85 - ، فهل يُعقل أن يكون ابن رشد فقيها إسلاميا يأخذ

(1) بيان تلبيس الجهمية، ج 1 ص: 239، 240.

(2) زينب محمد الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، القاهرة، دار الثقافة، 1993، ص: 134.

(3) محمد عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد و مستقبل الثقافة العربية، القاهرة، دار الرشاد، 1999، ص: 11.

(4) مراد وهبة، و منى أبو ستة: ابن رشد و التنوير، ط 1، القاهرة، دار الثقافة الجديدة، 1998، ص: 109.

(5) هذا أمر تأكدتُ منه من مطالعتي لكتبه، فلم أعثر له على تأويل للعمليات، و هو نفسه ذكر أنه على الفيلسوف أن يأخذ بشريعة قومه، قد سبق ذكر قوله في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت