تباينت مواقف أهل العلم من التأويل الذي تبناه ابن رشد و مارسه، و دعا إليه و دافع عنه. فبعضهم ذمه و أنكر عليه فعله، و بعضهم دافع عنه و أقره على منهجه التأويلي و مدحه عليه؛ أذكر منهم أربعة: أولهم شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، إنه تصدى للرد على ابن رشد، و توسع في انتقاده و الرد عليه في كتابه مجموع الفتاوى [1] ،و درء تعارض العقل و النقل [2] ، و بيان تلبيس الجهمية [3] . و قد انتقده انتقادا قويا و عميقا في المسائل المتعلقة بالجانب الشرعي من فكره.
فمن ذلك انتقاده لابن رشد في مسألة التأويل الباطني، فجعله من باطنية الفلاسفة المشائين أتباع أرسطو. و هو على طريقة ابن سينا في قوله بأن الشريعة مضروبة لتفهيم العامة ما يتخيلونه في أمور العقائد، كالإيمان بالله و اليوم الآخر. لكن الحق الصريح الذي يصلح لأهل العلم هو أقوال الفلاسفة [4] .
و قال أيضا: إن ابن رشد على رأي ابن سينا في القول بأن (( الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله و اليوم الأخر خلاف ما هو الأمر عليه في نفسه، لينتفع به الجمهور بذلك. إذ كانت الحقيقة لو أُظهرت لهم لما فُهم منها إلا التعطيل، فخيّلوا و مثّلوا لهم ما يُناسب الحقيقة نوع مناسبة، على وجه ينتفعون به ) ) [5] .
و قال أيضا: إن ابن رشد على طريقة الجهمية و المعتزلة في تأويل رؤية الله تعالى يوم القيامة، فقد أدعى أن الرؤية في الباطن هي مزيد علم. و هذا زعم لم يذكر عليه حجة، و النصوص قد نصت صراحة، وعُلم منها بالضرورة أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- أخبر برؤية المعاينة [6] .
و ابن رشد عند ابن تيمية هو من عقلاء الباطنية الذين يقولون بالباطن المخالف للظاهر في العلميات، و ليس في العمليات، التي يُقرونها على ظاهرها. و هذا قول عقلاء الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام مع اضطرابهم في الالتزام بالأعمال الشرعية لما في قلوبهم من المرض و النفاق [7] .
تلك بعض الانتقادات و التعليقات التي ذكرها ابن تيمية في رده على ابن رشد، و هي تتعلق كلها بالتأويل التحريفي الذي مارسه ابن رشد في تأويله للشرع. و قد تبين منها أن ابن تيمية جعل ابن رشد من باطنية الفلاسفة. علما بأن الباطنية نوعان: باطنية الفلاسفة، و باطنية الصوفية، و التفسير الباطني هو أيضا نوعان: التأويل الباطني العملي، تُؤوّل فيه الأعمال الشرعية الظاهرة، كالصلاة و الحج و الزكاة. و يزعم أصحابه أن المقصود من تلك الأعمال ليس ما يعرفه الناس منها،
(1) ج 4 ص: 163 و ما بعدها.
(2) ج 1 ص: 157 و ما بعدها.
(3) ج 1 ص: 239 و ما بعدها.
(4) درء التعارض، ج 6 ص: 242.
(5) نفس المصدر، ج 10 ص: 260.
(6) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، ج 1 ص: 367.
(7) نفس المصدر، ج 1 ص: 260.