فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 232

و انتقدهم أيضا في أنهم أخذوا بتأويلات مُحدثة بدعية، و نسي أو تناسى أنه هو شخصيا وقع في انحراف أخطر من انحراف هؤلاء المتكلمين، عندما نظر إلى الشرع من خلال فلسفة اليونان عامة و الأرسطية المشائية خاصة، و أخضع الشرع لها في الإلهيات و الطبيعيات و المنطق [1] . فمن الأكثر انحرافا و خطرا، المتكلمون أم ابن رشد و أمثاله؟!.

و أما الشاهد السابع فيتمثل في أن ابن رشد بالغ كثيرا في تعظيم الفلاسفة، فهم أهل البرهان و اليقين الذين خصهم الله بالعلم و الرسوخ فيه، و هم أهل التأويل البرهاني الذي يدل على الحق، و يُزيل تعارض النصوص. لكنه نقض هذه المزاعم عندما قرر أنه (( لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يُعتد به ) ) [2] .

و الشاهد الثامن مفاده أن ابن رشد قال: إن الشريعة حق، و الفلسفة حق، و الحق لا يُضاد الحق، و هما متطابقتان و متوافقتان لا مخالفة بينهما، و كل منهما يُكمل الآخر، و هما مصطحبتان بالطبع [3] . لكنه يُناقض نفسه عندما يُقرر أن في الشرع نصوصا متعارضة، و أن ظاهرها مُخالف للفلسفة، و الأخذ به على ظاهره كفر، لذا يجب تأويله ليتفق معها، أو إبعاده إذا تعذّر ذلك. و هذا على حساب الشريعة التي يجب تأويلها و ليست الفلسفة التي هي الحكم و المنطلق و المعيار عنده. فلو كانتا- أي الشريعة و الفلسفة- متطابفتين و متصاحبتين على حد زعمه، ما حدث هذا التناقض و التحريف للشرع. فدلّ هذا على تناقضه و بطلان زعمه، فالشريعة هي الحق المطلق، و الفلسفة فكر بشري فيها الحقائق و الأباطيل، و الظنون و الأساطير، لا يمكن أن تساوي الشرع و لا أن تتقدم عليه، و لا أن تزاحمه، و يجب إخضاعها له و ليس العكس كما فعل ابن رشد.

و آخرها- أي الشاهد التاسع- مفاده أن ابن رشد ذكر أن من خصائص الأقاويل الشرعية أنها (( تتضمن التنبيه لأهل الحق على التأويل الحق ) ) [4] . و معنى كلامه أن الشرع يتضمن منهج تفسيره و فهمه من داخله، لكن ابن رشد يُناقض نفسه من وجهين، أولهما إنه تبنى مفهوم التأويل بطريقة غير شرعية، فأخذ بمعناه التحريفي الكلامي الفلسفي، و لم يأخذ بمعناه الصحيح الشرعي. و ثانيهما إنه لم يجعل الشرع منطلقا و معيارا و حكما في فهمه له، و في ضبط فكره و إخضاعه للشرع، و إنما جعل الفلسفة الأرسطية المشائية منطلقه و معياره في النظر إلى الشرع، و البحث في مختلف المسائل الفلسفية الإلهية و الطبيعية و المنطقية. و هذا-بلاشك- تناقض واضح مع ما نقلناه عنه آنفا!!.

(1) سنتناول ذلك بالتفصيل في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.

(2) تهافت التهافت، ص: 236.

(3) فصل المقال، ص: 96، 125. و الكشف، ص: 153، 154. و تهافت التهافت، ص: 182.

(4) فصل المقال، ص: 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت