أولا فبالنسبة لأهل العلم فأولهم شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، فإنه يرى أن إلهيات أرسطو أكثرها مبني على مقدمات سوفسطائية في غاية الفساد. و هي ناقصة جدا، و قليلة الفائدة، و كثير منها بلا حجة، لا يُتوصل إليها إلا بتعب كبير، و هي كما قيل: كمثل لحم جمل (( غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيُرتقى، و لا سمين فيُنتقل ) )،و حظها في معرفة الله تعالى مبخوص جدا، و مُعطلة لكون الله ربا للعالم، و صاحبها-أي أرسطو- من أجهل الناس برب العالمين للغاية [1] .
و الثاني هو المحقق ابن قيم الجوزية، إنه يرى أن كلام أرسطو في الإلهيات كله خطأ من أوله إلى آخره، و قد جاء بما يسخر منه العقلاء، فادعى أن الله كان يُلحقه التعب و الكلال من تصوّره للمعلومات، و أنكر أن يكون الله يعلم شيئا من الموجودات [2] .
و آخرهم -أي الثالث- هو الباحث محمد علي أبو ريان، إنه يرى أن إلهيات أرسطو متناقضة في تصوّرها لله تعالى، فهي تصفه بأنه عاطل عن الفعل، فلا خلق و لا قدرة و لا اختيار و لا عناية، خاضع للضرورة اللولبية. ثم هي من جهة أخرى تصفه بأنه معشوق، و له الكمال المطلق و الغبطة الإلهية و التأمل الإلهي. فمذهبه هذا هو حفظ للوجود بمعزل عن الله، حاول الربط بينهما بطريقة تعسفية، ثم (( تعود لتضفي على الوجود الإلهي أسمى الصفات و أشرفها، دون أن يكون لهذه الصفات أدنى تأثير في المخطط الوجودي، فتكون هذه الصفات مجرد ألفاظ لا مدلول لها ) ) [3] .
و ثانيا إن بعض الفلاسفة الإرسطيين المشائين المسلمين لما أدركوا مدى مخالفة إلهيات أرسطو لدين الإسلام، حاولوا التخفيف من التعارض الصارخ بينهما في بعض المسائل، منهم أبو علي بن سينا، إنه في صفة العلم لم يقل برأي سلفه أرسطو بأن الله لا يعلم إلا ذاته، و إنما قال: إنه يعلم الكليات [4] . و منهم أيضا ابن رشد نفسه، فإنه قام بهذا الدور باستخدامه للتأويل التحريفي، و قد ذكرنا على ذلك أمثلة كثيرة، و نورد هنا مثالا مُعبرا لم يسبق ذكره، و مفاده أن الباحث المغربي طه عبد الرحمن ذكر أن ابن رشد -في شروحه و تلخيصاته لكتب أرسطو- كان يتصرف في المصطلحات اليونانية حتى وصل به الأمر إلى ما يُشبه التحريف لتجميل فلسفة أرسطو، و تقريب مضامين بعضها تقريبا إسلاميا، فيجعل (( من أطلس، الإله اليوناني ملكا. و في موضع آخر يُؤوّل اسم الجنس: الإله، بمعنى الفلك ) ) [5] . و عمله هذا هو عمل خطير جدا، يطعن في أمانة ابن رشد العلمية، و يهدف إلى أرسطة الإسلام، و إخفاء شناعات و خرافات إلهيات اليونان، تقريبا لها من الإسلام، و نشرا لها بين المسلمين، و تجميلا لوجهها الصابئ الشركي.
و ثالثا إن الناظر في إلهيات أرسطو - التي انتصر لها ابن رشد- بموضوعية، يتبين له بجلاء، أنها ديانة أرضية شركية، تقوم على تعدد الآلهة المتمثلة في: المحرك الأول، و هو كبيرها، ثم صغار الآلهة و هي: العقول المفارقة الأزلية ذات الطبيعة الإلهية، و العاقلة المريدة المختارة المتصرفة في العالم، و لها صفات كمال لا يتصف بها حتى المحرك الأول [6] . فهذه المعطيات شاهدة على أن ابن رشد كان متبنيا و منتصرا لإلهيات شركية تقوم على تعدد الآلهة!!.
و إتماما لما ذكرناه، أُشير هنا إلى أربعة أمور تتعلق بموقف ابن رشد من القضايا التي سبق التطرق إليها. أولها أن ابن رشد وقع في تناقضات في موقفه من الصفات و إلهيات أرسطو، أذكر منها سبعة نماذج: الأول مؤداه أن ابن رشد قال بأن الله مُتصف بالفعل و الخلق من جهة [7] ، و قال بأزلية العالم و الضرورة من جهة أخرى. و هذا تناقض واضح، لأنه إذا كان العالم أزليا بالضرورة، فلا فعل و لا خلق و لا إرادة!!.
و النموذج الثاني مفاده أن ابن رشد قال: إن العشق هو الذي حرّك العالم تجاه معشوقه -أي الله - عشقا له و تشبها به. لكنه -أي ابن رشد- من جهة أخرى وصف الله بأنه فاعل للعالم و مُخترع له. و هذا تناقض بيّن، لأن حقيقة الأمر أن الله ليس فاعلا و لا مبدعا، و إنما هو معشوق للعالم الأزلي من دون فعل و لا إرادة منه. لأن المحرك الحقيقي للعالم هو العشق، و بمعنى آخر أن العالم حرّك نفسه بعشقة لمعشوقه الذي هو علة غائية له!!.
و النموذج الثالث مفاده أن ابن رشد ذكر أن القرآن الكريم أثبت وجود الله بدليل الخلق و الاختراع للعالم، و انتصر لطريقة القرآن هذه في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة. لكنه في مؤلفاته الفلسفية كتلخيص ما بعد الطبيعة، و تلخيص السماء و العالم، نسي طريقة القرآن، و قرر خلافها عندما قال فيها بأن العالم أزلي بالضرورة [8] . فأين الخلق و الاختراع؟!.
و النموذج الرابع يتمثل في أن ابن رشد انتقد الأشاعرة في أن إثباتهم للصفات قد يُؤدي إلى تعدد القدماء [9] ، بمعنى أنه قد يُؤدي إلى تعدد الآلهة. و نسي نفسه بأنه هو شخصيا قال فعلا بتعدد الآلهة، عندما قال: إن العقول المفارقة أزلية عاقلة، و ذات طبيعة إلهية، و مُتصرفة في العالم [10] . أليس هذا قول بتعدد الآلهة، و هو تناقض واضح مع انتقاده الذي وجهه إلى الأشاعرة؟!.
و النموذج الخامس يتمثل في أن ابن رشد قال: إن الله علة غائية للعالم، و أنه-أي العالم- أزلي بالضرورة بالنسبة لله. ثم وصف الله بأنه موصوف بالحكمة في خلقه [11] . فأية حكمة له في العالم،
(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 8 ص: 233 - 234، ج 9 ص: 399. و مجموع الفتاوى، ج 17 ص: 330، 332 , و منهاج السنة النبوية، ج 3 ص: 286. و الرد على المنطقيين، دار المعرفة، بيروت، ص: 268، 395.
(2) ابن قيم الجوزية: إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 259.
(3) محمد علي أبو ريان: المرجع السابق، ص: 208.
(4) ابن تيمية: الجواب الصحيح، ج 1 ص: 353.
(5) طه عبد الرحمن: لغة ابن رشد الفلسفية من خلال عرضه لنظرية المقولات. ضمن كتاب أعمال ندوة ابن رشد بجامعة محمد الخامس، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، 1981، ص: 197.
(6) هذه المعطيات سبق توثيقها.
(7) الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 113.
(8) سنتوسع في ذلك، و نوثقه في المبحث الثالث من هذا الفصل.
(9) ابن رشد: الكشف، ص: 134. و التهافت، ص: 163.
(10) سبق توثيق ذلك.
(11) ابن رشد: الكشف، ص: 113.