فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 232

أي الله- لا (( يعقل إلا شيئا واحدا بسيطا، و هو ذاته، و لا يمكن فيه أن يعقل كثرة ما، لا في ذاته و لا خارجة عن ذاته ) ) [1] .و قوله هذا هو تعبير عن رأيه هو و رأي سلفه أرسطو، و هو نقض لما نقلناه عنه آنفا. فلماذا هذا التناقض، و الازدواجية في الخطاب؟!، ففي كتابيه الكشف عن مناهج الأدلة، و تهافت التهافت، اللذين وجههما لجمهور المسلمين، نفى أن يكون الفلاسفة نفوا صفة العلم، و أنكر على الغزالي و خطّأه فيما حكاه عنهم. لكنه في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة ناقض نفسه، و كشف عن حقيقة موقفه و موقف أرسطو و أصحابه من صفة العلم، و أكد ما قاله أهل العلم الذين ذكرناهم قبله، من أن الله عند أرسطو و المشائين، لا يعلم إلا ذاته. فعجبا من ابن رشد، و ما فعله في نفسه!!، فلماذا هذا التغليط و التدليس و التحريف؟؟، لماذا لم يكن صريحا مع نفسه و مع الناس؟!، إن سلوكه هذا مارسه كثيرا في مصنفاته، و هو لا يليق بالصادقين من أهل العلم و الإيمان، و لا هو من شيمة الأحرار الشجعان.

و أما الشاهد الأخير -و هو الخامس- فيتعلق بانتصار ابن رشد لموقف أرسطو و المشائين في موقفهم من العقول و الأجرام السماوية، إنه اعتنى بموقفهم منها، شرحا و دفاعا، انتصارا و تبنيًا، مع خُطورته و مخالفته للشرع و العلم معا، و إثارته للضحك و الاستغراب. فالعقول و الأجرام السماوية عند أرسطو و أصحابه، هي كائنات أزلية خالدة ذات طبيعة إلهية، و لها دور في تسيير العالم [2] .

و هذا الكلام الخطير - الباطل شرعا و علما و عقلا [3] - هو شرك صريح أقره ابن رشد، و لم يُنكره، و شرحه في بعض كتبه، فعندما تناوله في كتابه تهافت التهافت لم يُصرّح بأن الأجرام السماوية ذات طبيعة إلهية، لكنه ذكر بأنها أزلية و لها تصرف في العالم [4] . لكنه في كتابه الفلسفي: تلخيص ما بعد الطبيعة، وصف الأجرام السماوية بأنها (( الأجرام السماوية الإلهية ) ) [5] . فبدلا من أن يُنكر على أرسطو زعمه هذا، و يرد عليه بقوة، وافقه وقال بقوله!!.

و بذلك يتبين أن ابن رشد -في موقفه من إلهيات أرسطو- أنه انتصر لإلهيات باطلة، مثّلت فيها الخرافة و الظنون و الأوهام جانبا كبيرا منها. و توضيحا للأمر أكثر، أذكر مواقف بعض أهل العلم من تلك الإلهيات، لمعرفة مدى جسامة خطأ ابن رشد في موقفه منها، ثم أُعقّب عليها بتعليق ختامي عام.

(1) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 148.

(2) أرسطو: مقالة الدال، ضمن كتاب مدخل إلى الميتافيزيقا، لإمام عبد الفتاح إمام، ص: 356.و ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 145، 146. و على أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، 201، 203. و أمينة مطر: الفلسفة اليونانية، ص: 300.

(3) باطل شرعا لأن الشرع نص على أن الله تعالى هو خالق هذا العالم كله، و لا شريك له في خلقه و تسييره. و أما علما فإن العلم الحديث أثبت بأدلة متنوعة أن العالم كله مخلوق، و من ثم فإن لا الأجرام أزلية، و لا هي ذات طبيعة إلهية. و أما عقلا فإن العقل العلمي البديهي يحكم بأن كل ما في الكون مُسخر عاجز، و لا يُوجد أي دليل صحيح على دعوى أزلية و إلهية بعض المخلوقات، و هذا بدليل الشرع و العلم أيضا.

(4) تهافت التهافت، ص: 145، 146 ,

(5) تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت