من صفة العلم، ففرض احتمالين: معرفة الله بذاته، و أو معرفته بالأشياء، فاختار الأول و برره بأن الله إذا عقل غيره، إما (( أن يظل كما هو أو يتغير، و ما هو معرّض للتغير لا يصلح موضوعا لهذا العقل، لأنه سوف يُسبب له عدم استمرار التعقل،. و لا يجوز للعقل الإلهي أن ينفعل بما هو ناقص، لأن هناك من الأشياء ما يكون من الأفضل لنا ألا نراها، لذلك فإن العقل الإلهي لا يعقل إلا ذاته، لأنها أكمل الأشياء، و تعقله لذاته هو اتصال مباشر، أو حدس لا استدلال، ينتقل العقل فيه من مقدمة إلى نتائج. فهو بناء على ذلك عقل، و عاقل، و معقول في آن واحد. و هذا التعقل الدائم يهبه أسمى أنواع السعادة، فهو في سعادة لا يصل إليها إلا أحيانا نادرة ) ) [1] .
و أقول: إن ما نقلته الباحثة عن موقف أرسطو من صفة العلم هو دليل دامغ على أن أرسطو كان ينفي علم الله بغيره خلاف ما زعمه ابن رشد. لكن تبريرات أرسطو في زعمه بأن الله لا يعلم إلا ذاته، هي تبريرات ظنية باطلة، شرعا و عقلا، فأما شرعا فإن النصوص الشرعية كثيرة جدا في أن الله تعالى عالم الغيب و الشهادة، و أنه يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، و يعلم السر و أخفى، كقوله تعالى: (( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) )- سورة التوبة: 78 - ، و (( وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) )- سورة طه: 7 - .
و أما عقلا فإن أرسطو قاس الخالق بالمخلوق، و زعم أن علمه بغيره يُسبب له (( عدم استمرا التعقل ) )،و هذا كلام باطل، يدل على فساد تصوّر أرسطو لله تعالى، فجعله كالإنسان تختلط عليه التعقلات، و هذا زعم باطل، لأن الله تعالى (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) ،و (( لم يكن له كفوا أحد ) )، و صفاته سبحانه- و منها علمه- كلها كمال لا نقص فيها.
و علمه تعالى بذاته فقط نقص، و علمه بغيره فقط نقص أيضا، و الكمال المطلق هو علمه تعالى بذاته و بغيره، و هذا هو الذي يقول الشرع الصحيح، و العقل الصريح. و أما زعمه بأن تعقل الله لذاته (( يهبه أسمى أنواع السعادة، فهو في سعادة لا يصل إليها غلا أحيانا نادرة ) )، فهذا كلام بلا علم، و رجم بالغيب، و حديث خرافة من خرفات أرسطو، و مُثير للضحك و الاستغراب معا، فكيف سمح لنفسه أن يخوض في غيب لا يمكن أن يُدركه؟، و من أين له ذلك الظن و الوهم و الزعم؟، إن ذلك الأمر لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي، فهل كان أرسطو نبيا؟، إنه لم يكن نبيا، لكنه كان مُتبعا لظنه و هواه، و هو من الذين يصدق غليهم قوله تعالى: (( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ) )-سورة النجم: 23 - .
و أما آخرهم - أي السابع-، فهو الفيلسوف ابن رشد الحفيد يرد على نفسه بنفسه، فقد ذكر في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطو، خلاف ما نقلناه عنه سابقا، فنصّ صراحة على أن الواحد-
(1) أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، ص: 274 - 275.