نحوه، فالعالم عاشق و الإله معشوق له، فالعشق هو الرابط بينهما. و هذا أمر اعترف به ابن رشد نفسه في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة [1] .
ذلك التصوّر الوهمي الباطل المخالف للشرع و العقل و العلم، انتصر له ابن رشد مع وضوح بطلانه، لأن الله تعالى نصّ صراحة على أنه هو الذي خلق العالم من عدم بإرادته و مشيئته و قدرته، لكن ابن رشد يُخالف ذلك و يُوافق أرسطو على خرافته و وهمه، و يُدافع عنها، فينفي الخلق أصلا، و يزعم أن المحرك للعالم ليس الله بإرادته و اختياره، و إنما العالم الأزلي هو الذي تحرك بسبب العشق، عندما عشق العالم معشوقه، و هو الإله. فهذا زعم باطل شرعا و علما و عقلا، فأما شرعا فسبق بيانه. و أما علما فإن العلم الحديث أثبت أن العالم بأسره مخلوق، و من ثم تسقط حكاية العالم الأزلي الذي عشق معشوقه!!.و أما عقلا فالأمر واضح أيضا، فلا يُوجد دليل عقلي يُثبت تلك الخرافة، التي بناها أرسطو على الظن و التخمين و الهوى، و وافقه عليها المشاؤون من أصحابه كابن رشد الحفيد، الذين يصدق عليهم قوله تعالى: (( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ) )- سورة النجم: 23 - .
و أما الشاهد الثالث فيتضمن نموذجا من دِفعات ابن رشد عن أرسطو و أصحابه في موقفهم من الصفات الإلهية، بطريقة فيها تحريف و تلاعب، و تضليل و تغليط، و انتصار لهم بالباطل، فمن ذلك أنه قال: إن أرسطو و أصحابه أثبتوا لله الإرادة و الاختيار و المشيئة، و أنه فاعل للعالم، صدر عنه بإرادة لا عن ضرورة طبيعية [2] .
و زعمه هذا غير صحيح، لأن الثابت عن أرسطو و أصحابه أن الله عندهم ليس خالقا للعالم، و لا إرادة له و لا اختيار في إيجاده لأنه أزلي تحرك ضرورة، كتحريك المعشوق لعاشقه، و هذا و غيره سبق بيانه و توثيقه، فلماذا هذا التحريف و التغليط؟!. و ذكر الشيخ ابن تيمية أن ابن رشد يتعصب للفلاسفة، و حكايته عنهم أنهم يقولون: إن الله مريد، كحكايته عنهم أنهم يقولون: إن الله عالم بالمخلوقات، و (( لا ريب أن كلاهما قول طائفة منهم، و أما نقل ذلك عن جملتهم أو المشائين جملة فغلط ظاهر ) ) [3] .
و أما الشاهد الرابع فيتعلق بصفة العلم، فعندما ذكر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي أن الفلاسفة قالوا: إن الله يعلم الكليات و لا يعلم الجزئيات أنكر عليه ابن رشد قوله هذا، و أكد على أن الفلاسفة-أرسطو و أصحابه- أثبتوا صفة العلم لله، و قالوا: إنه -أي الله- يعقل غيره من ذاته. و أصولهم الفلسفية تقتضي إثبات العلم الشامل لله بكلياته و جزئياته [4] .
ذلك هو رد ابن رشد على ما حكاه الغزالي عن الفلاسفة في موقفهم من صفة العلم، فهل يصح قول ابن رشد في أن الفلاسفة قالوا بأن الله يعلم غيره؟. إن قوله هذا غير ثابت و لا يصح، بدليل ما ذكره أهل العلم من موقف أرسطو و أصحابه من صفة العلم في حق الله تعالى. و سأذكر منهم سبعة، أولهم الشيخ تقي الدين بن تيمية، إنه ذكر -في مواضع عديدة من كتبه- أن الله عند أرسطو و أصحابه لا يعلم غيره، و ليس له علم بالأشياء مطلقا، و لا علم له على الحقيقة، و لو علم بمخلوقاته لتعب، و عدم علمه بها أفضل من علمه بها [5] .
و انتقد ابن تيمية ما ذكره ابن رشد عن موقف أرسطو و أصحابه من صفة العلم، و عدّ ذلك تعصبا جسيما منه لهؤلاء، و عملا سيئا في نقل أقوال الناس. و ذكر أن الفيلسوف أبا البركات البغدادي (ق: 6 ه) أورد في كتابه المعتبر في الحكمة قول أرسطو بأن الله لا يعلم إلا ذاته. ثم قال ابن تيمية: (( و ابن رشد يُعظم أرسطو إلى الغاية، و هو من أعظم الفلاسفة عنده، فكيف ينفي ذلك عنهم؟ ) ). و قال أيضا: إن ابن رشد يتعصب للفلاسفة، فحكايته عنهم أنهم بقولون:: إن الله مريد، كحكايته عنهم أنهم يقولون: إن الله عالم بالمخلوقات، و (( لا ريب أن كلاهما قول طائفة منهم، و أما نقل ذلك عن جملتهم أو المشائين جملة فغلط ظاهر ) ) [6] .
و الثاني هو المحقق ابن قيم الجوزية، ذكر أن الله عند أرسطو و أصحابه المشائين، لا صفة ثبوتية تقوم به، فهو (( لا يعلم شيئا من الموجودات أصلا، و لا يعلم عدد الأفلاك، و لا شيئا من المغيبات ) ) [7] .
و الثالث هو الباحث محمد علي أبو ريان، ذكر أن الله عند أرسطو لا يعلم شيئا عن العالم و غافل عنه [8] . و الباحث الرابع هو فتح الله خليف، ذكر أن موقف أرسطو من علم الله يتمثل في أن الله (( اتحد فيه العاقل و المعقول، فمعقوله هو ذاته، و لا شيء غير ذاته، و بذلك فإن الله يجهل تماما كل ما عداه، أي يجهل العالم ) ) [9] .
و الخامس هو الباحث مصطفى النشار، ذكر أن الله عند أرسطو هو عقل خالص لا يعقل إلا ذاته [10] . و أما السادس فهي الباحثة أميرة حلمي مطر، ذكرت أن أرسطو كان واضحا في موقفه
(1) ابن رش: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 126، 127، 136. و ابن تيمية: درء التعارض، ج 9 ص: 239، 290. و زينب الخضيري: المرجع السابق، ص: 215. و إمام عبد الفتاح إمام: المرجع السابق، ص: 74. و أبو ريان: المرجع السابق، ص: 201. و عبد الرحمن بيصار: الفلسفة اليونانية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1973، ص: 130. و فؤاد كامل و آخرون: الموسوعة الفلسفية، دار العلم، بيروت، د ت، ص: 48.
(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 127، 132، 283.
(3) درء التعارض، ج 10 ص: 143.
(4) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 127، 167، 236، 287، 375. و فصل المقال، ص: 102، 103.
(5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 154، و ج 18 ص: 230. و درء التعارض، ج 8 ص: 290، ج 9 ص: 415، ج 10 ص: 90، 401. و الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ج 1 ص: 353. و الصفدية، ج 2 ص: 219.
(6) درء التعارض، ج 10 ص: 143.
(7) ابن قيم الجوزية: إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 260، 261.
(8) علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 191، 207، 208.
(9) مراد وهبة، و منى أبو ستة: ابن رشد و التنوير، ط 1، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1998 ص: 154.
(10) مصطفى النشار: مدخل لقراءة الفكر الفلسفي عند اليونان، دار قباء، مصر، 1998، ص: 115.