فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 232

أرسطو و أصحابه. فالرجل-أي ابن رشد- لم يحترم الشرع و لا العقل، و خاض في موضوع لا يُمكنه تصوره تصورا علميا صحيحا، و الحكم على الشيء جزء من تصوّره كما هو معروف، فكيف سمح لنفسه أن يخوض في أمر لا يُمكنه تصوّره و لا إدراكه؟؟.

و الله تعالى هو الذي خلق العالم بأسره، و أوجد من الوحدة الكثرة، فقال سبحانه: (( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) )- سورة الأنبياء: 30 - .و هذا أمر قال به العلم الحديث في نظرية الانفجار العظيم، الذي أوجد الكثرة و النظام من الخلق الأول الذي حدث [1] . فالكثرة الموجودة في العالم كلها حدثت بسبب الخلق الأول بدليل الشرع و العلم، و أما حكاية ابن رشد حول الواحد الذي لا يصدر عنه إلا واحد، و القول بالعقول الأزلية المتصرفة في الخلق، فهي حديث خرافة، من خرافات اليونان التي تبناها ابن رشد و دافع عنها، و خالف فيه الشرع و العقل و العلم.

و أما موقفه الأخير - و هو الحادي عشر-، فيتعلق بموقفه من إلهيات الفلاسفة المشائين عامة، و أرسطو خاصة، و ذلك أنه-أي ابن رشد- شرحها في مؤلفاته، ودافع عنها، و انتصر لها، بكل ما يستطيع، مع أنها فلسفة باطلة تافهة. و لم أعثر له على انتقادات صحيحة قوية تتعلق بأساسيات تلك الإلهيات، من حيث موقف الشرع منها، و مدى صحتها على ضوء العقل الصريح، و العلم الصحيح. و سأذكر على ذلك خمسة شواهد: أولها يتعلق بالله تعالى و صفاته عند أرسطو، فالله عنده ليس خالقا للعالم، و لا يخلق و لا يفعل، و العالم أزلي صدر بالضرورة من غير إرادة و لا اختيار منه، و هو -أي الله- عاطل خاضع للضرورة، فلا اختيار له و لا إرادة، و لا يُريد و لا يفعل شيئا، و لا يقدر على خلق شيء، و لا هو على كل شيء قدير، و هو يتعب و يلحقه الكلال من تصوّره للمعلومات [2] . ذلك هو إله أرسطو، إنه إله عاجز، لا خلق له و لا إرادة، و هو تصوّر مُخالف للشرع، و للعقل البديهي الصريح، لكن ابن رشد دافع عن هذا التصوّر الباطل بقوة و حماس، و أوّل الشرع من أجله، و انتصر له في كتبه العامة و الخاصة بمختلف الوسائل التحريفية، و التمويهية، و التغليطية، و السوفسطائية.

و الشاهد الثاني يتعلق بتصوّر أرسطو للعلاقة بين الله و العالم، فالله عنده ليس فاعلا و لا خالقا و لا مبدعا للعالم الأزلي، و إنما هو -أي الله - علة غائية لهذا العالم الأزلي، حرّكه الشوق و العشق

(1) سنوثق ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل.

(2) ابن تيمية: درء التعارض، ج 10 ص: 90، ج 9 ص: 293. و بيان تلبيس الجهمية، ج 2 ص: 550.و مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 277. و الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ط 1، دار العاصمة، الرياض، 1414، ج 5 ص: 27. و بن قيم الجوزية: إغاثة اللهفان، دار المعرفة، بيروت، 1975، ج 2 ص: 259. و مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند أرسطو، ط 3، القاهرة، دار المعارف، 1995، ص: 106. و زينب الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص: 215. و زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، ص: 80. و على أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، دار المعرفة الجامعية، الأسكندرية، 1990، ص: 201، 207، 208. و إمام عبد الفتاح إمام: مدخل إلى الميتافيزيقا، ص: 74. و أميرة مطر: الفلسفة اليونانية: تاريخها و مشكلاتها، القاهرة، دار قباء، 1998، ص: 276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت