فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 232

يتفق مع ما قاله في تلخيص ما بعد الطبيعة، الذي يُعد معيارا و حكما بين تعارض آرائه التي ذكرها في التهافت.

و نحن هنا نتساءل: هل أخطأ أبو حامد الغزالي في اتهامه للفلاسفة المشائين بأنهم ينفون الإرادة عن الله، و يقولون بدوام الفاعلية بالضرورة؟،و هل أصاب ابن رشد في تكذيبه للغزالي و دفاعه عن الفلاسفة؟، و لماذا فعل ابن رشد ذلك؟. واضح مما ذكرناه أن أبا حامد الغزالي كان مُصيبا فيما ذكره عن الفلاسفة، و أن ابن رشد هو المُخطئ في إنكاره ما قاله الغزالي عن الفلاسفة المشائين. و يبدو أنه فعل ذلك مُتعمدا مُحاولة منه لإخفاء موقف هؤلاء الفلاسفة عن عامة أهل العلم، أو على الأقل إحداث بلبلة في موقفهم منهم، دفعا للتشنيع عليهم، و قطعا للطريق أمام الغزالي الذي فضحهم، و أظهر مُخالفتهم للشرع و العقل في نفيهم للإرادة و قولهم بالضرورة في أفعال الله تعالى. و هو -أي ابن رشد- قد فعل ذلك باستخدام التغليط و التأويل التحريفي، و لم يُبال بتعارض أقواله، لأنه كان ينطلق من خلفية باطنية تأويلية تقوم على ازدواجية الخطاب، و إظهار التناقض، و التلاعب بالألفاظ، من أجل الوصول إلى ما يُريده، لذا لم يجد حرجا في تناقض أقواله.

و أما موقفه العاشر من الصفات، فيتعلق بصفة الخلق، فالله تعالى وصف نفسه بأنه خالق و خلاق، و يخلق ما يشاء و يختار، و أنه خلق كل شيء، فهو سبحانه كثير الخلق و لا حد لقدرته فيه، و أنه على كل شيء قدير، كقوله سبحانه: (( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) )-سورة الفرقان: 2 - ،و (( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ) )-سورة القصص: 68 - ، و (( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ) )-سورة الحجر: 86 - ، و (( قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) )-سورة الرعد: 16 - ، هذه الصفة المعروفة من الدين بالضرورة، و من العقل بالبديهة، نفاها ابن رشد و حرّفها من جانبين، عندما قال: (( بل الحق هو أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فقط ) )،و أما الموجودات الأخرى فهي صادرة عن العقول الأزلية ذات الطبيعة الإلهية [1] . فبالنسبة للجانب الأول هو أن الله تعالى أخبرنا في كتابه أنه خلق العالم، لكن ابن رشد زعم أن العالم صدر عن الواحد -أي الله-.و أما الجانب الثاني فهو أن الله تعالى أخبرنا أنه كثير الخلق، و يخلق ما يشاء، و أنه خلق كل ما في العالم، من ملائكة و جن، و من إنس و حيوانات و جمادات و غيرها من المخلوقات، لكن ابن رشد زعم أن الواحد-أي الله- لم يصدر عنه إلا واحد، و جعل معه آلهة شركاء له، صدرت عنها الكائنات الأخرى!!.

و زعمه هذا مُضحكٌ و مُبكٍ، و ه من غرائب ابن رشد و عجائبه، ليس له فيه دليل من الشرع و لا من العقل، فأما من الشرع فقد سبق بيانه، و أما من العقل فهو زعم ليس من العقل و لا من العلم، و إنما هو ظنون و تحمينات، و رجم بالغيب، و قول على الله بلا علم، ساير فيه سلفه

(1) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 77 و ما بعدها، و 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت