لزِم أن لا يكون لفعله مبدأ كالحال في وجوده، و إلا كان فعله ممكنا لا ضروريا، فلم يكن مبدأ أولا. فيلزم أن تكون أفعال الفاعل الذي لا مبدأ لوجوده ليس لها مبدأ )) [1] .
فهذا النص دليل دامغ على تناقض أقوال ابن رشد، فيما بينها من جهة، و على أنه يُؤكد ما قلناه سابقا من أن ابن رشد و أصحابه يُنكرون فعلا إرادة الله و اختياره في خلقه للعالم، و يقولون بأزلية العالم القائمة على حوادث لا أول لها بالضرورة و الاضطرار من جهة ثانية.
و أما تبريره العقلي الذي ذكره -دعما لموقفه- فهو لا يصح، لأن اتصاف الله تعالى بدوام الفاعلية شيء، و تعلق أفعاله بالخلق الفعلي شيء آخر. فهو سبحانه صفاته أزلية فعال لما يريد، يخلق متى شاء، و كيفما يشاء، لكن تعلق فعله بالخلق ليس ضروريا في حقه سبحانه، و إنما هو جائز و ممكن مُتعلق بإرادة الله و مشيئته. و هذه صفة كمال لا نقص، و دليل على أنه سبحانه خالق عظيم أزلي مُختار، فعال لما يريد على كل شيء قدير.
و هو أراد أن يُوهمنا عندما ادعى أن القول بجواز تعلق أفعال الله بالخلق يعني أنه تعالى ليس مبدأ أولا. فهذا تغليط و تلبيس على القراء، لأن الله تعالى بما أنه فعال لما يريد، فجائز في حقه أن تكون أفعاله لا أول لها بإرادته، و جائز أيضا أن يكون لهل أول بإرادته و اختياره. فهو على الاحتمالين يبقى الإله الخالق الأزلي العظيم الفعال لما يُريد، و هذا أمر سبق أن بيناه في الاحتمالات الستة التي شرحناها آنفا.
و واضح أيضا أن أقوال ابن رشد كانت متناقضة في كتابه تهافت التهافت، فمرة يقول: إن الفلاسفة يُجوّزون القول بدوام الفاعلية على شريطة القول بقدم المادة. و مرة يقول: إنهم يقولون فعلا بأن الله مُريد مُختار، و أفعاله ليست خاضعة للضرورة. و مرة يقول: إنهم قالوا بقدم العالم بناء على دوام الفاعلية القائمة على الضرورة و الوجوب و اللزوم في أفعال الله تعالى. و كان في كل موقف يذكره يُظهر تأييده و دفاعه و انتصاره له. فهو هنا مُتناقض مع نفسه في هذا الكتاب الذي رد به على أبي حامد الغزالي، لذا فإنه إذا أردنا معرفة موقفه الحقيقي من هذه المسألة فيجب الرجوع إلى كتبه الفلسفية الخاصة التي سماها كتب أهل البرهان التي أظهر فيها تأويلاته و شطحاته، و هذا أمر أشار إليه هو بنفسه بصراحة في كتابه فصل المقال. فهذا النوع من كتبه ضروري لمعرفة آرائه الحقيقة التي أخفاها في كتبه العامة، أو كان فيها مزدوج الخطاب. و منها كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة، ذكر فيه صراحة أن العالم أزلي و أن أفعال الله حوادث لا أول لها بالضرورة و الاضطرار [2] ،و بما أن هذا الرأي ذكره أيضا في كتابه التهافت ضمن الآراء المخالفة له، فإن الصحيح هنا هو القول الذي
(1) ابن رشد: التهافت، ص: 56.
(2) سبق توثيق ذلك.