فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 232

و ثانيا إنه جعل العلاقة بين الخالق و العالم علاقة مُحَرِك بمُحَرَّك، بواسطة حركة المُحرك الذي لا يتحرك -أي الله تعالى- الذي حرّك العالم الأزلي. و قوله هذا هو زعم باطل لا يصح شرعا و لا علما. فأما شرعا فإن النصوص الشرعية نصت صراحة على أن الله تعالى خلق العالم بعد أن لم يكن، و أنه خلقه و ليس حرّكه، كقوله تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ) )-سورة هود: 7 - . و أما علما فإن العلم الحديث أثبت بأدلة كثيرة أن العالم ليس أزليا، و أنه لم يكن موجودا قبل نحو 20 مليار سنة، و أنه خُلق خلقا بمادته و مكانه، و زمانه و حركته [1] .

و رابعا إنه- أي ابن رشد- مع ثبوت قوله بدوام الفاعلية-حوادث لا أول لها- القائمة على الضرورة و الاضطرار، فإن له أقوالا لم يُصرّح فيها بتلك المقولة، و صرّح بخلافها، ربما محاولة منه لتخفيف مخالفته للشرع، و معارضة علماء الشريعة له، سعيا للتقريب بينهم و بين الفلاسفة المشائين القائلين بمقولته. فمن ذلك أنه قال: إن الفلاسفة - و المشاؤون خاصة- يُجوّزون القول بحوادث لا أول له، ما دام الفاعل-أي الله- باقيا لا أول لوجوده و لا آخر، شريطة وجود المادة الأزلية مُسبقا. و قالوا أيضا: إن أفعال الله صادرة عنه بإرادة منه لا بالضرورة الطبيعية. و قالوا أيضا، و منهم أرسطو: إن الله مريد مُختار، فعله صادر من غير ضرورة [2] .

تلك الأقوال ذكرها ابن رشد تعبيرا عن رأيه و مواقف أصحابه الفلاسفة المشائين، و قد دافع عنها و انتصر لها، ردا على أبي حامد الغزالي الذي ذكر أن هؤلاء- أي الفلاسفة- نفوا الإرادة عن الله، و قالوا بالضرورة في أفعال الله تعالى، فهل كان ابن رشد متناقضا مع نفسه؟.

و أقول: إن أقواله هذه لا تُعبر عن الموقف الحقيقي لابن رشد و أصحابه، من مسألة دوام الفاعلية التي هل هي قائمة على الضرورة و الاضطرار، أم قائمة على الاختيار و الامكان؟. بدليل الشاهديّن الآتيين: أولهما إنه سبق أن ذكرنا أن ابن رشد ذكر صراحة في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة، أن العالم أزلي بناء على دوام الفاعلية القائمة على الضرورة و الاضطرار، و ليست قائمة على أساس الإرادة و الاختيار، و الجواز و الإمكان.

و الشاهد الثاني هو أن ابن رشد نفسه ذكر في كتابه تهافت التهافت خلاف ما نقلناه عنه من نفس الكتاب. فذكر أن الفلاسفة - و وافقهم على رأيهم- أنهم قالوا: إن العالم قديم-أي أزلي- قائم على مبدأ حوادث لا أول لها، على أساس الوجوب و الإلزام، لأن البرهان لما (( أداهم إلى أن ههنا مبدأ مُحركا أزليا ليس لوجوده ابتداء و لا انتهاء، و أن فعله يجب أن يكون غير متراخ عن وجوده،

(1) سنتوسع في ذلك، و نوثّقه لاحقا، إن شاء الله تعالى.

(2) ابن رشد: تهافت الفلاسفة، ص: 75، 76، 127، 283.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت