أخبرنا سبحانه أنه قبل خلقه للعالم كان قد خلق العرش، في قوله: (( وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ) )-سورة هود: 7 - ، لكن هذا ليس دليلا قطعيا على أن أفعال الله تعالى في الخلق ليس لها أوّل، و إنما يدل على أنه سبحانه كانت له مخلوقات قبل خلقه للعالم. و لم أعثر في الشرع على دليل صحيح ينص صراحة على أن أفعال الله في عملية الخلق لا أول لها، و إنما هو أمر جائز نظريا بحكم أزلية الله تعالى و أنه فعال لما يريد.
و أما الاحتمال الخامس، فهو ممكن أيضا، و جائز في حق الله تعالى، لأنه سبحانه فعال لما يريد، و خلاق لما يشاء، و يشهد لذلك أن الله تعالى قبل خلقه للعالم خلق العرش، و قبل خلقه للإنسان كان قد خلق الأرض و هيأه لها بخيراتها و حيواناتها و كنوزها. لكننا لا نستطيع أن نجزم بأن الله لم يخلق شيئا قبل خلقه للعرش، و بمعنى آخر لا نستطيع أن نجزم بأن أفعال الله لها أول مُحدد، لأنني لم أعثر على دليل شرعي صحيح يُؤكد ذلك، و لم أعثر فيه أيضا على دليل قطعي ينفي ذلك، فالموضوع يبقى مفتوحا من الجهتين.
و أما آخرها-و هو الاحتمال السادس- فهو ممكن أيضا، و جائز في حق الله تعالى، بحكم أنه سبحانه فعال لما يريد، و على كل شيء قدير، لكنه لا يصح واقعيا، لأن الله أخبرنا أن هذا العالم ليس هو أول مخلوقاته، فقد خلق قبله العرش و الماء.
لكن الأمر الذي نؤكد عليه -من خلال هذه الاحتمالات - أن الرأي الذي قال به ابن رشد لا يصح شرعا و لا عقلا و لا علما. علما بأن القول بإمكانية دوام الفاعلية -أي حوادث لا أول لها- لا يستلزم القول بالضرورة و الأزلية على رأي ابن رشد، لأنه لو أثبت لله صفتي الإرادة و الاختيار، ما قال بذلك الزعم الباطل.
و ثانيا إنه أخطأ في تصوّر العلاقة بين العالم و الله تعالى، فجعلها كعلاقة المعلول بعلته، و هذا خطأ بيّن وقع فيه ابن رشد. لأن العلاقة الحقيقية ليست معلول بعلته، و إنما هي علاقة مخلوق بخالقه. و هذه العلاقة تقوم على أساس العلاقة بين الخالق الكامل الأزلي المُطلق الإرادة، و بين المخلوق الناقص الفقير إلى غيره، فهي علاقة بين الخالق و المخلوق و بين الأزلية و الحدوث. فالمخلوق في الحقيقة ليس مجرد معلول لخالقه، و إنما هو مخلوق له من العدم. علما بأن علاقة العلة بالمعلول، و المعلول بعلته، لا يصح استخدامها في بين الخالق و المخلوق، و إنما يصح استخدامها في تفسير علاقة المخلوقات فيما بينها، و تأثير بعضها في بعض، بناء على قانون العلية الذي يحكم عالم المخلوقات، فالمعلول له علة، و العلة هي معلولة لعلة أخرى، و هكذا. و هنا يتبين خطأ ابن رشد الفاحش عندما أخضع الخالق و المخلوق لعالم السببية؛ فجعل العلاقة بينهما كعلاقة العلة بالمعلول، و المعلول بعلته، بناء على نفيه لصفات الكمال التي يتصف بها الخالق العظيم، حتى أنه نفى عنه صفتي الإرادة و الاختيار، في علاقته بالعالم، و جعلها علاقة ضرورة و اضطرار، لا إرادة و اختيار!!.