لكننا مع ذلك سنناقش المسألة بالتفصيل، و نفترض جملة احتمالات، من بينها ما ذهب إليه ابن رشد، لنزيد المسألة وضوحا و تحريرا، و نُبيّن الخطأ من الصواب فيها، بحول الله تعالى. فنقول: إن أفعال الله تعالى يمكن تصوّرها و افتراضها انطلاقا من جملة احتمالات ممكنة. منها إن أفعاله سبحانه دائمة الفاعلية، و أزلية بالضرورة و الاضطرار من دون اختيار منه. و ثانيها إنه سبحانه أختار أن تكون أفعاله دائمة الفاعلية، و مخلوقاته أزلية بناء على دوام أفعاله، منذ الأزل إلى الأبد. و ثالثها إنه سبحانه و تعالى أختار أن لا يخلق شيئا منذ الأزل إلى الأبد، مع قدرته على الفعل و الخلق. و رابعها أنه سبحانه أختار أن يخلق ثم يتوقف عن الخلق، ثم يعود إليه دوريا منذ الأزل، و هو إلى الأبد على هذه الطريقة. و خامسها إنه سبحانه أختار أن يخلق بانقطاع مُتتابع، له بداية و له نهاية، بمعنى أن أفعاله لها أول، و لكن هذا العالم ليس هو أول مخلوقاته. و آخرها-أي السادس - هو أنه تعالى كان متوقفا عن الخلق، ثم شاء أن يخلق بإرادته، فخلق هذا العالم، و كان أول مخلوق خلقه.
هذه طائفة من الاحتمالات الممكنة المتعلقة بأفعال الله تعالى، علينا أن نختبرها لمعرفة الاحتمال الصحيح الذي اختاره الله تعالى في خلقه لمخلوقاته. فبالنسبة للاحتمال الأول - الذي قال به ابن رشد- فهو لا يصح في جنب الله تعالى، لأن النصوص الشرعية ذكرت خلاف ما زعمه ابن رشد، و نصّت على أن الله تعالى فعال لما يريد، و أنه خلق العالم بإرادته المطلقة، من دون ضرورة و لا اضطرار، خلقه بعد أن لم يكن، و النصوص الشرعية التي تُثبت ذلك كثيرة جدا، و معروفة العامة و الخاصة [1] .و أما عقلا فإن ما ادعاه ابن رشد هو أمر مُستهجن و مُستبعد و مرفوض، بأن يُوصف الله بذلك. لأنه لا يصح ولا يُعقل أن يكون الإله الخالق العظيم، خاضع للضرورة و الإكراه!!. كما أنه ليس لابن رشد دليل عقلي يُرجح به الاحتمال الذي قال به على الاحتمالات الكثيرة التي يمكن افتراضها، كالتي سبق ذكرها. و العلم الحديث أثبت بطلان دعوى ابن رشد بأزلية العالم، فقد ثبُت علميا أن العالم مخلوق، و ليس أزليا [2] . و عليه فإن دعوى ابن رشد دوام الفاعلية بناء على الضرورة و الاضطرار باطلة مُخالفة للشرع و العقل و العلم.
و أما الاحتمال الثاني فهو احتمال ممكن، و جائز في حق الله تعالى، لكنه لا يصح فيما يتعلق بأزلية العالم، لأن كلا من الشرع و العلم يشهدان بأن العالم مخلوق ليس أزليا، و له نهاية محددة ينتهي عندها يوم القيامة. و هذا أمر معروف من دين الإسلام بالضرورة، و العلم الحديث قال بإمكانيتها، و قد تنبأ بعض العلماء بكيفيتها [3] .
و أما الاحتمال الثالث، فهو ممكن نظريا، و لا يصح عمليا، لأن وجود العالم الذي نعيش فيه شاهد على عدم صحته. و أما الاحتمال الرابع فهو مُمكن أيضا، و وارد في حق الله تعالى، و قد
(1) سنذكر بعضها في المبحث الثالث من هذا الفصل، إن شاء الله تعالى.
(2) سنتناول ذلك بالتفصيل في المبحث الثالث من هذا الفصل.
(3) أنظر: عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء، ط 2، دار الشروق، القاهرة، 1980، ص: 84 و ما بعدها.