فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 232

كافية لقوله بنفي الإرادة من خلال شرحه لموقف الفلاسفة و دفاعه عنه و انتصاره له. و الشاهد الثاني هو أنه سبق أن ذكرنا أن ابن رشد ادعى أن الله تعالى في ذكره لصفاته في القرآن (( أُضطر إلى تفهيم معاني في البارئ بتمثيلها بالجوارح الإنسانية ) ) [1] .و معنى زعمه هذا أن الله لم تكن له إرادة و لا اختيار في ذكره لتلك الصفات، و أنما أُضطر إلى ذكرها اضطرارا بتلك الطريقة!!.

و الشاهد الثالث أنه زعم أن العالَم أزلي [2] بالضرورة و الاضطرار [3] . و زعمه هذا يعني أن الله تعالى لم يخلق العالم، و لا كانت له فيه إرادة و لا اختيار، و إنما صدر عنه ضرورة و اضطرارا، و هو نفي لصفتي الإرادة و الاختيار، و مناقض لما سبق أن ذكرناه عنه عندما تكلم عن الخلق و الإرادة في الشرع. و هو مُخالف لدين الإسلام مُخالفة صريحة، لأن الله تعالى ذكر أنه خلق العالم بإرادته المطلقة وفق حكمته البالغة. و ليس من العقل و لا من العلم الزعم بأن هذا العالم صدر عن الله بالضرورة و الاضطرار من دون إرادة منه و لا اختيار منه، فهذا رجم بالغيب، و قول على الله بلا علم، و وصف له بالنقص و العجز، و تشبيه له بالمنقوصات و الضعفاء!!.

و أما موقفه التاسع من الصفات، فيتعلق بمسألة دوام الفاعلية، المعروفة بحوادث لا أوّل لها، بمعنى أن الله تعالى بما أنه أزلي بذاته و صفاته، فإن أفعاله ليست مُعطلة عن الفعل، فهي في فاعلية دائمة لا أوّل لها، و من ثم فهي مُتعلقة بحوادث لا أوّل لها. و هذه الفاعلية الدائمة هي عند ابن رشد قائمة على نفي الإرادة و الاختيار في حق الله تعالى، فهي فاعلية قائمة على الضرورة الأزلية الموجودة بين الله و العالم و المُتمثلة في الحركة. و هذه الفاعلية الدائمة لا تقوم على الخلق، و إنما تقوم على فعل الحركة فقط. و هذه الفاعلية الحركية المستمرة الدائمة هي كعلاقة المعلول بعلته لا يتأخر عنها. فكذلك علاقة دوام الفاعلية بين الله و العالم، فهي علاقة أزلية ضرورية [4] .

و ردا عليه أقول: أولا إن موقفه من دوام الفاعلية في أفعال الله تعالى، هو موقف مُخالف للشرع، و رجم بالغيب، و قول على الله بلا علم، و لا دليل صحيح عليه من العقل و لا من العلم. لأن هذه المسألة يجب النظر إليها انطلاقا من خلفية شرعية و عقلية صحيحة، تمكننا من التصوّر الصحيح و الشامل لها. و مفادها أنه بما أن الله تعالى هو الخالق العظيم، و الفعال لما يُريد، و القادر على كل شيء، فإن أفعاله مُطلقة، و لا يصح أبدا إخضاعها لأية ضرورة، مما يعني أن ما ذهب إليه ابن رشد يفتقد إلى الأرضية الشرعية و العقلية الصحيحة.

(1) تهافت التهافت، ص: 237.

(2) زعمه هذا باطل شرعا و علما، و سنناقشه و نرد عليه في المبحث الثالث من هذا الفصل.

(3) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، حققه عثمان أمين، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، 1958، ص: 32، 130.

(4) أنظر: ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 124، 125، 126، 32، 130. و تهافت التهافت، ص: 56. و ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 20. و إمام عبد الفتاح إمام: مدخل إلى الميتافيزيقا، ط 1، مصر، نهضة مصر، 2005، ص: 122، 123. و زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، دار الثقافة، القاهرة، ذ 993، ص: 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت