و عندما ذكر ابن رشد انتقادات حجة الإسلام أبي حامد الغزالي للفلاسفة في موقفهم من الإرادة، و قال: إنهم نفوا اتصاف الله بها. تصدى له ابن رشد للرد عليه بطريقة غامضة ملتوية، تتضمن النفي و الإثبات لصفة الإرادة. و بمعنى آخر أنه لم يكن صريحا في رده على الغزالي، و لا في إبراز حقيقة موقف الفلاسفة من هذه الصفة. فجاء رده جامعا بين النفي و الإثبات معا، و إن كان نفيه لها أظهر مما يُشير إلى أن ابن رشد لم يُرد الإفصاح عن الموقف الحقيقي للفلاسفة المشائين من صفة الإرادة بطريقة واضحة لا لُبس فيها و لا غموض، مما يُرجح أن الفلاسفة نفوا تلك الصفة، أو على الأقل يميلون إلى نفيها. و الدليل على ذلك أن ابن رشد ذكر أن المُشاهد في الطبيعة يرى أن الأشياء الفاعلة فيها على نوعين: نوع يعمل بالطبع، كالحرارة تُؤثر في غيرها، و نوع يعمل بالاختيار، و هو المُسمى المريد و المُختار، كالإنسان الذي يفعل في وقت و يترك في وقت آخر. لكن الله تعالى مُنزه (( عن الوصف بأحد هذين الفعلين على الجهة التي يُوصف بها الكائن الفاسد عند الفلاسفة، وذلك أن المُختار و المريد هو الذي ينقصه المراد، و الله سبحانه لا ينقصه شيء يُريده. و المختار هو الذي يختار أحد الأفضلين لنفسه، و الله لا يعوزه حالة فاضلة. و المريد هو الذي إذا حصل المراد كفت إرادته. و بالجملة فالإرادة هي انفعال و تغير، و الله سبحانه مُنزه عن الانفعال و التغير ) ) [1] .
واضح من قوله: (( منزه عن الوصف بأحد هذين الفعلين على الجهة التي يُوصف بها الكائن الفاسد ) )أنه يحتمل القول بالإرادة و بالطبع فيما يتعلق بأفعال الله تعالى، بمعنى انه متصف بأحد هذين الفعلين، بطريقة تليق به، و مُخالفة لكيفية اتصاف المخلوق بها. لكن كلامه الذي تلا ذلك مباشرة، يُشير إلى أن ابن رشد يميل إلى نفي اتصاف الله تعالى بالإرادة مُطلقا، لأنه تناولها بطريقة تُشير إلى أنها لا تختلف عن إرادة الإنسان، فبنى عليها نفيه للإرادة التي نفاها. فكان عليه أن يُوضح الأمر بجلاء، و يُفصح عن رأيه دون لف و لا دوران، لكنه أقام رأيه على مُغالطة مكشوفة، قاس من خلالها الخالق بالمخلوق، و نفى عنه-أي الخالق- اتصافه بالإرادة، و هذا انحراف منهجي خطير، مرفوض شرعا و عقلا. لأن الإنسان إذا كان يُريد و يختار عن حاجة، فهذا لا يصدق أبدا على الله تعالى، فهو سبحانه الغني المطلق، يفعل عن حكمة و عدل و رحمة، و لا يفعل عن حاجة و نقص، لأنه الغني الكامل. و الإرادة في حقه سبحانه ليست انفعالا و لا تغيرا، و إنما هي كذلك في حق المخلوق.
و الغريب في الموضوع أنه مع وضوحه شرعا و عقلا أن ابن رشد تناوله بطريقة ضبابية مزدوجة الخطاب، لم يرد أن يُفصح عن موقفه صراحة، لكن يبدو لي أنه عبّر عنه بما يكفي لمعرفة موقفه الحقيقي من الإرادة، و هو أنه كان ينفيها بدليل الشواهد الآتية: أولها إن كلامه السابق فيه إشارات
(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 125.