محدثا حقيقيا، و لا قديما حقيقيا فإن المحدث الحقيقي فاسد ضرورة، و القديم الحقيقي ليس له علة. و منهم من سماه محدثا أزليا )) [1] .
و قوله هذا ليس شرعيا و لا موضوعيا، لأنه جعل الأرضية الفكرية للمتنازعّيّن متساوية، و كأنه يُريد أن يقول: لكل طرف مُبرراته الفكرية، و عليه أن يقبل بالآخر و يعذره و يعترف به. و هذا لا يصح لأن القائلين بخلق العالم و حدوثه يعتمدون على حجج قوية تقوم على الشرع و العقل، أيدها العلم الحديث. و أما القائلون بخلاف ذلك فهم يعتمدون عل الشبهات و الظنون و التخمينات و التأويلات الفاسدة، و قد أثبت العلم الحديث بطلانها [2] .فشتان بين الموقفين!، و القائلون بالأزلية يصدق عليهم قوله تعالى: (( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ) )-سورة النجم: 23 - . و أما حكمه بأن العالم في الحقيقة (( ليس محدثا حقيقيا، و لا قديما حقيقيا ) )، فلا يصح شرعا و لا علما، و سنبين بطلانه قريبا إن شاء الله تعالى.
و موقفه هذا قد يُشير إلى أنه-أي ابن رشد- كان مُضطربا في موقفه من مسألة خلق العالم و أزليته؛ لكن طائفة كبيرة من أهل العلم ترى خلاف ذلك، و نصّت على أن ابن رشد قال فعلا بقدم العالم و أزليته و أنكر حدوثه، منهم: إمام عبد الفتاح إمام، و محمد عابد الجابري، و زينب محمد الخضيري، و محمد عمارة، و جورج طرابيشي، و محمد أبو ريان، و زينب عفيفي، و محمد عاطف العراقي الذي ذكر أن ابن رشد في كتابه فصل المقال، و الكشف عن مناهج الأدلة، و تهافت الفلاسفة لم يُظهر علانية القول بقدم العالم و ما يُخالف الشرع، و نصّ على أن ذلك يُفصّل في كتب البرهان-أي كتب الفلسفة- كالتي شرح فيها كتب أرسطو و لخصها، و فيها أظهر القول بقدم العالم، و دافع عنه و انتصر له، و لرأي سلفه أرسطو، منها: تلخيص السماع الطبيعي، و تلخيص السماء و العالم، و في هذا الأخير أكد على أزلية العالم و أبديته )) [3] .
فهل ما ذكره هؤلاء صحيح؟، نعم إنه صحيح، فإن ابن رشد قال صراحة بأزلية العالم و أبديته، بدليل الشواهد الآتية: أولها إنه ذكر صراحة أن السموات بما فيها من عقول و أفلاك و غيرها كلها أزلية بالضرورة [4] . و ثانيها إنه أكد على أن السماء ليست كائنة -أي مخلوقة- و لا فاسدة، و لا يمكن أن تفسد، لكنها دائمة لا مبدأ لها زمانيا و لا منتهى، و لا هي قابلة للانفعال و
(1) ابن رشد: فصل المقال، ص: 105.
(2) سنتوسع في ذلك و نوثقه قريبا.
(3) محمد عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد و الثقافة العربية، ص: 84 - 85. و إمام عبد الفتاح إمام: مدخل إلى الميتا فيزيقا، ص: 122، 123. و محمد عابد الجابري: ابن رشد: سيرة و فكر، ص: 18، 19. و زينب محمد الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص: 235.و محمد عمارة: المادية و المثالية في فلسفة ابن رشد، ط 2، دار المعارف، القاهرة، 1983، ص: 62. و على أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 201، 203. و زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، ص: 63، 100. و جورج طرابيشي: وحدة العقل العربي، ص: 270.
(4) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 32، 77، 130.