الاستحالة-أي التحلل-، فلا يُلحقها في (( الحركة المحسوسة لها نصب و لا تعب، من أجل أنه ليس فيها مبدأ حركة مُخالفة للحركة الطبيعية التي فيها ) ) [1] .
و الشاهد الثالث مفاده أن العالم العلوي عند ابن رشد أزلي لا يجوز عليه التغير في الجسم و لا في الحركة، كالمحرك الأول-أي الله-،و بما أن حركته أزلية فلا يجوز أن تشتد زمانا لا نهاية له، و تفتر زمانا لا نهاية له. و هذا العالم العلوي مُكوّن من عنصر خامس هو الأثير، و يختلف عن العناصر الأربعة الأرضية- و هي الماء، و الهواء، و التراب، و النار-،و هو عنصر له خصائص كالجوهر السماوي له حركة دائرية أزلية ضرورية، لا بداية لهاو لا نهاية. و أما العالم السفلي -أي الأرض- فهو مُكوّن من العناصر الأربعة المعروفة، و مادته الأولي هي أيضا أزلية، و عملية التكوّن و الفساد السائدة فيه، هي عملية أزلية أيضا [2] .
و أما الشاهد الرابع- و هو الأخير- فمفاده أن ابن رشد قال صراحة بأن الزمان أزلي غير متناه بالضرورة، لارتباطه بالحركة التي هي أزلية أيضا مرتبطة بأزلية العالم القائمة على أساس حكاية العشق الذي هو علة الحركة [3] .
و يتبين من تلك الشواهد أن ابن رشد يسير على طريقة الفلاسفة المشائين -أرسطو و أصحابه- في قولهم بأزلية العالم و أبديته، فقال بمقولتهم، و دافع عنهم، و انتصر لهم، بمختلف الوسائل، كما هو واضح في كتابه تهافت التهافت، و كتبه الفلسفية كتلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطو، و تلخيص السماء و العالم لأرسطو أيضا.
و من مزاعمه أيضا أنه زعم أن الموجود الواحد-أي الله- فاضت منه قوة واحدة، بها وُجدت جميع الموجودات. و أن العلماء-أي الفلاسفة- أجمعوا على أن العالم بأسره فاض عن المبدأ الأول [4] -أي الله تعالى. و زعم أيضا أن ذلك الواحد البسيط بما أنه بسيط، إنما يلزم عنه واحد، و الحق أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فقط [5] .
و قوله هذا هو زعم باطل شرعا و عقلا و علما، فأما شرعا فإن النصوص الشرعية الكثيرة، نصت صراحة على أن الله تعالى خلق العالم بإرادته و مشيئته و اختياره و لم يفض عنه. و أخبرنا الله تعالى أنه سبحانه فعال لما يريد، و خلاق عظيم، و أنه على كل شيء قدير، و لا حدود لقدرته، و أنه خلق مخلوقات كثيرة جدا. لذا لا يصح أبدا الزعم بأن الله تعالى لا يصدر عنه إلا واحد.
(1) ابن رشد: تلخيص السماء و العالم، حققه جمال الدبن العلوي، منشورات كلية الآداب بفاس، ص: 188، 189.
(2) زينب عفيفي: المرجع السابق، ص: 83، 138. و علي أبو ريان: المرجع السابق، ص: 203.
(3) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 124، 125، 126. و تلخيص السماء و العالم، ص: 188، 189. و زينب عفيفي: المرجع السابق، ص: 63. و أما توثيق حكاية العشق فقد سبق توثيقها.
(4) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 143، 168.
(5) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 149، 153.