فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 232

و أما عقلا فإن ذلك الزعم هو ظن و تخمين و وهم، و رجم بالغيب و قول على الله بلا علم، لأن الموضوع الذي خاض فيه و أصدر حكمه عليه هو غيب مطلق لا يمكن للعقل البشري أن يخوض فيه، و يصدر ذلك الحكم فيه. و لا يُعرف إلا عن طريق الوحي، و ليس له في زعمه هذا دليل من الشرع. و زعمه هذا هو في الحقيقة وصف لله تعالى بالعجز و التعطيل، بطريقة ظاهرها الثناء و باطنها النفي و التعطيل و القول بالضرورة.

و أما علما فإن العلم الحديث أثبت بأدلة كثرة أن العالم كله خُلق خلقا بعد أن لم يكن، و هو كثير التنوّع، و مر بمراحل عديدة شهد خلالها مخلوقات كثيرة جدا، بعضها انقرض، و بعضها الآخر ما يزال حيا، كل ذلك تمّ بناء على الخلق الأول الذي يُعرف بالانفجار العظيم، مصداقا لقوله تعالى: (( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) )- سورة الأنبياء: 30 - [1] . فأين حكاية الأزلية، و الواحد الذي لا يصدر عنه إلا الواحد، و دور العقول المفارقة التي شاركت الله في خلق العالم [2] ؟؟!!.

و أما قوله بأن الفلاسفة أجمعوا على القول بأن العالم فاض عن الله فهو لا يصح، لأن نظرية الفيض لم يقل بها كل الفلاسفة، و إنما قال بها أفلاطون و أصحابه، و تأثر بها بعض الفلاسفة المسلمين [3] . علما بأن أرسطو و أصحابه قالوا بأزلية الحركة و العالم، و لم يقولوا بالفيض، مع أن القول بالأزلية و الفيض يتضمن تناقضا واضحا، فإذا كان العالم أزليا -حسب ابن رشد و أصحابه- فهذا يعني بالضرورة أنه لم يفض عن الله. و إذا كان العالم قد فاض عنه فهذا يعني بالضرورة أنه ليس أزليا مهما أوغل فيضانه في الزمن، لأنه في النهاية حادث مخلوق.

و ثانيا إن ابن رشد لما كان يعتقد بأزلية العالم، و دافع عنها و انتصر لها، و وجدها تتعارض مع دين الإسلام، أوّل النصوص الشرعية تأويلا تحريفيا لكي يُطوّعها و يُوظّفها لخدمة مذهبيته الأرسطية في قولها بأزلية العالم. فمن تأويلاته أنه قال: (( إن الحدوث الذي صرّح الشرع به في هذا العالم، هو من نوع الحدوث المُشاهد ههنا. و هو الذي يكون في صوّر الموجودات ) )التي تسميها الأشعرية صفات نفسية، و يُسميها الفلاسفة صورا، و هذا الحدوث (( إنما يكون من شيء آخر إلى زمان ) )،و يدل على ذلك قوله تعالى: (( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) )-سورة الأنبياء: 30 - ،و (( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ) )-سورة فصلت: 11 - . و أما كيف حال طبيعة الموجود الممكن مع الموجود الضروري؟، فسكت عنه الشرع لبعده عن أفهام الناس، لأن معرفته ليست ضرورية في سعادة الجمهور )) .و أما الذي (( تزعمه الأشعرية من أن طبيعة الممكن-أي المخلوق- مُخترعة وحادثة

(1) عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء، ص: 71، 72.

(2) سبق توثيق ذلك، و أنظر أيضا: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 149.

(3) الموسوعة العربية الميسرة، تحت إشراف محمد شفيق غربال، دار إحياء التراث العربي، ج 2 ص: 1349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت