من غير شيء، فهو الذي يُخالفهم فيه الفلاسفة من قال منهم بحدوث العالم و لم يقل. فما قالوا -أي الأشاعرة- إذا تأملته بالحقيقة ليس هو من شريعة المسلمين و لا يقوم عليه برهان )) [1] .
و قال أيضا: إن الله تعالى أخبر (( أن العالم وقع خلقه أياه في زمان، و أنه خلقه من شيء، إذ كان لا يُعرف في الشاهد مُكوّن إلا بهذه الصفة، فقال سبحانه- مُخبر عن حاله تعالى قبل كون العالم-: (( ٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ) )- سورة هود: 7 - ،و قال تعالى: (( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) )- سورة الأعراف: 54 - ، و (( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ) )-سورة فصلت: 11 - )) [2] .
و ردا عليه أقول: أولا إن ابن رشد لم يلتزم بالمنهج الصحيح في فهم النصوص الشرعية المتعلقة بخلق العالم. فلم يأخذ بالمعنى الصحيح للفظي الخلق و الإبداع، و أخذ منهما ما يتفق مع مذهبيته الأرسطية، ففهمهما بمعنى الإخراج و التحوّل، و ليس بمعناهما الصحيح المفهوم من موقعهما في النص الشرعي. فلفظ الخلق من معانيه في اللغة العربية: إبداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه. و إحداث الشيء بعد أن لم يكن. و إيجاد الشيء بعد أن لم يكن موجودا [3] . و من معانيه عند علماء الشريعة: الإنشاء و الإيجاد من العدم. و الابتداع على غير مثال. و إيجاد الأشياء بعد أن لم تكن [4] .
و أما معنى الخلق في القرآن الكريم فله معنيان واضحان، أولهما إيجاد شيء من شيء، لقوله تعالى: (( خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ) )- سورة الرحمن:14 - 15 - . و ثانيهما إيجاد شيء من غير أصل و لا احتذاء، لقوله تعالى: (( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) )- سورة يونس: 3 - ، فلم يقل لنا أنه خلق ذلك من مادة سابقة كما في النوع الأول، فهذا المعنى هو الذي يُسمى خلق شيء من لا شيء، بدليل قوله تعالى،: (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) )-سورة يس: 82 - ،و (( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) )-سورة غافر: 68 - ، فإرادة الله إرادة مطلقة تخلق ما تشاء، من شيء و من غير شيء، فيندرج في هاتين الآيتين النوعان السابقان، و الله تعالى أعلم بالصواب.
(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 259.
(2) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 171.
(3) ابن منظور: لسان العرب، ج 10 ص: 858.و مرتضي الزبيدي: تاج العروس، ج 1 ص: 6294 , و ابن الأثير: النهاية في غريب الأثر، المكتبة العلمية، بيروت، 1979، ج 2 ص: 144.
(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 2 ص: 691. و البغوي: تفسير البغوي، ج 1 ص: 88. و الطبري: تفسير الطبري، ج 4 ص: 504.و السيوطي و الجلال أحمد المحلي: تفسير الجلالينط 1، دار الحديث، القاهرة، ج 1 ص: 733. و ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، 1979، ج 12 ص: 377. و الشوكاني: تفسير الشوكاني ج 3 ص: 139.