فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 232

و أما لفظ الإبداع فمن معانيه في اللغة: الاختراع على غير مثال سابق [1] .و يُستعمل في الشرع في حق الله تعالى بمعنى إيجاد شيء بغير آلة و لا مادة، و لا زمان و لا مكان، كقوله تعالى: (( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) )- سورة البقرة: 117 - , و هذا المعنى لا يُستخدم إلا في حق الله تعالى، لهذا قال سبحانه: (( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) )-سورة النحل: 17 - ، فهذا الخلق بمعنى الإبداع الذي معناه الخلق من عدم [2] .

لكن ابن رشد-في تأويله لآيات خلق العالم- لم يأخذ بالخلق و الإبداع بمعناهما الدال على إيجاد الشيء من لا شيء حسب الآيات التي ورد فيها هذان اللفظان، و إنما حملها كلها على المعنى الأرسطي الذي يرى الخلق هو مُجرد إخراج ما بالقوة إلى الفعل، وفق عملية التكوّن و الفساد في العالم الأرضي. و فعله هذا لا يصح، و هو انحراف منهجي خطير في الفهم الصحيح للشرع.

و ثانيا إن استشهاده بالنصوص الشرعية كان انتقائيا، فأخذ ما وافقه و أوّله تأويلا تحريفيا، و أغفل قسما آخر كأنه غير موجود تماما؛ و هذا ليس من الحياد و النزاهة العلمية في شيء. فكان من الواجب عليه أن يجمع كل النصوص و يُرجع الفروع إلى الأصول، و المتشابه إلى المحكم، و يفهما وفق الفهم الصحيح للشرع أنطلاقا من الكتاب و السنة، و منهج السلف الصالح، و العقل الصريح و العلم الصحيح. فالآيات التي ذكرها على طريقته التأويلية التحريفية، كان عليه أن يردها إلى آيات أخرى أعم منها و يفهمها من خلالها، و وفق تفاصيل خلق العالم التي ذكرتها النصوص الشرعية الأخرى، التي نصت على أن الله تعالى فعال لما يرد، و على كل شيء قدير، و خلاق عظيم، و أنه خالق كل شيء، كقوله تعالى: (( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) )-سورة الفرقان: 2 - .

و هو في تحريفه للنصوص الشرعية كان مُغالطا أيضا، لأن الشرع نص صراحة مرارا و تكرارا على أن العالم خلقه الله تعالى بعد أن لم يكن، فهو مخلوق له بداية و له نهاية لا محالة، و هذا يتناقض تماما مع ما يعتقد ابن رشد و أصحابه من أن العالم أزلي خالد لا بداية له و لا نهاية. و عليه فهو مُغالط، و لا ينفعه إذا كان العالم خُلق من شيء سابق أو من لا شيء، لأن في الحالين أن العالم مخلوق له بداية و له نهاية، و هذا لا يقول به ابن رشد و أصحابه. فلماذا هذا التحريف و التغليط، و التلاعب بالنصوص؟!.

و ثالثا إن قوله بأن الحدوث الذي صرّح به الشرع هو من نوع الحدوث المُشاهد على الأرض، فهو ليس صحيحا على إطلاقه، لأن الله تعالى أخبرنا أنه يخلق من شيء و من لا شيء، كقوله تعالى: (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) )-سورة يس: 82 - ،و هذا أمر سبق أن بيناه. كما أن استشهاده بقوله تعالى: (( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) )-سورة الأنبياء: 30 - ، و (( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) )-سورة فصلت: 11 - ، فهو استشهاد في غير محله، لأن هذه الآيات وصفت مرحلة مر بها خلق العالم، و لا علاقة لها بالمادة التي خُلقت منها، أهي من شيء، أو من لاشيء. و لا علاقة لها أيضا بالمخلوقات التي كانت قبلها، كالعرش و الماء، فلكل مخلوق مادته و زمانه و مكانه، و هو مخلوق لله تعالى، يخلقه متى أراد و مما أراد، من شيء و من غير شيء، فهو سبحانه فعال لما يريد، و على كل شيء قدير.

و أما قوله بأن الله خلق العالم في زمان و مادة، لأنه لا يُعرف في الشاهد مُكوّن إلا بهذه الصفة، و الله تعالى قد أخبر عن حاله قبل خلقه للعالم، في قوله: (( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ) )- سورة هود: 7 - ،و (( (( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ) )-سورة فصلت: 11 - ، فإن احتجاجه هذا لا يدل على ما ذهب إليه، لأن خلق العالم لا علاقة له بالمخلوقات التي كانت قبله، و لا في ذلك إشارة إلى المادة التي خُلق منها العالم. و أما مسألة الزمان فهي ليست مشكلة في الشرع أصلا، لأنه لما خلق الله العالم ظهر المكان و الحركة، و الزمان و المادة. و إنما الزمان مُشكلة عند ابن رشد و أصحابه المشائين القائلين بأزلية العالم و الحركة. و أما الزمان الذي كان قائما قبل خلق الله للعالم، و المتعلق بالمخلوقات الأخرى، فهو زمان خاص بها، و لا دخل له بزمان عالمنا، لأن الزمان نسبي، و الله تعالى لا يحده زمان و لا مكان، و هو خالق كل شيء، و فعال لما يريد.

و أما تأكيده على أن السماء أزلية دائمة، لا مبدأ لها و لا نهاية، فهو كلام باطل، و لا يصح شرعا ولا عقلا و لا علما، لأنه حكم على شيء غائب عنه نشأة و مصيرا، و لم تكن بين يديه معطيات صحيحة علمية، و لا عقلية، و لا شرعية تُمكّنه من إصدار ذلك الحكم القاطع بأن العالم أزلي أبدي. و إنما العكس هو الصحيح، فقد كانت أمامه نصوص شرعية كثيرة و واضحة، نصت صراحة على بطلان ما ادعاه، و التي أكدت على أن العالم مخلوق و أنه سينتهي لا محالة، كقوله تعالى: (( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) )-سورة الفرقان: 2 - ،و (( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) )- سورة الرحمن:26 - 27 - ، و (( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ) )-سورة التكوير: 1 - 2 - ، و (( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ) )- سورة الانفطار: 1 - ، و (( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) )- سورة إبراهيم: 48 - . فلماذا أغفل هذه النصوص؟،و و هو قد ذكر بعض الآيات التي تدل على خلق السموات و الأرض في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة [3] ، لكنه ناقض نفسه عندما قرر عكس ذلك تماما و صراحة في كتابه تلخيص السماء و العالم، الذي أكد فيه على أزلية العالم و أبديته [4] ،و جعل

(1) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح، دار الهدى، الجزائر، ص: 36.

(2) الراغب الأصفهاني: مفردات القرآن، ص: 95، 433.

(3) سبق ذكر بعضها، لكن أنظر مثلا، ص: 71.

(4) أنظر، ص: 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت